المخاطر التي لا تهم الحكومات العربية

رغم التحذير الشديد اللهجة الذي جاء في تقرير نشرته صحيفة الجارديان البريطانية في 21 أغسطس الماضي وقالت فيه إن دلتا نهر النيل في مصر التي تنتج 60% من غذاء المصريين ويقطن بها ثلثاهم سوف يبتلعها البحر خلال المائة عام القادمة، فإن المسئولين المصريين بدلا من البحث في المشكلة وتشكيل اللجان العلمية التي تبحث في هذه الكارثة وكيفية مواجهتها اكتفوا بالرد علي هذا التقرير وتفنيده، وعلي غيره كذلك من التقارير الأخرى التي تحذر من أن دلتا نهر النيل في مصر معرضة للغرق إذا لم تتحرك الحكومة بشكل جدي بعيدا عن التهريج الذي تمارسه وتسعي لإنقاذ الدلتا، ومن ثم إنقاذ أكثر نصف المصريين الذين يعيشون فيها.
وكان الدكتور مصطفى كمال طلبة – رئيس مجلس أمناء المنتدى العربي للبيئة والتنمية – قد حذر من أن مصر مهددة بفقدان 30% من إنتاجها الزراعي لاسيما من الحبوب بسبب زيادة الحرارة وزيادة نسبة الملوحة في التربة، وهذا في حد ذاته يعتبر كارثة في ظل أن مصر تستورد أكثر من نصف احتياجاتها من الحبوب الرئيسية القمح والفول والذرة وغيرها، وقد أخبرني عالم الفضاء البارز الدكتور فاروق الباز في حوار أجريته معه يوم الأربعاء 18نوفمبر أنه قضي ثلاثة عشر عاما في محاولات إقناع وزير الزراعة المصري الأسبق يوسف والي بحفر بئر استكشافية في منطقة شرق العوينات جنوب غرب مصر بعد أن اكتشف عبر صور التقطها عبر رادار يخترق طبقات الأرض من الفضاء أن تلك المنطقة كانت بها بحيرة كبيرة قديمة وعشرات الأنهار مما يعني أنها غنية إلي حد كبير بالمياه الجوفية التي يمكن أن تحول هذه المنطقة الصحراوية إلي منطقة زراعية تعوض احتياجات مصر من الحبوب التي تستوردها وتدفع فيها مليارات الدولارات سنويا، وبعد ثلاثة عشر عاما وافقوا علي حفر بئر استكشافية سرعان ما أكدت أن أبحاث الدكتور الباز كانت سليمة، لكن المسئولين المصريين لا يقدرون مصالح الشعب ولا مصالح الوطن بالشكل العلمي المطلوب ويكتفون بأن كل شيء تمام وأن ما يقومون به هو الصواب وما يدعيه غيرهم هو الخطأ، والآن منطقة شرق العوينات بها أكثر من مائة وخمسين ألف فدان مزروعة، وبها ما يقرب من خمسمائة بئر ارتوازية، والمياه الجوفية بها تكفي لعشرات السنين، وما تنتجه من قمح يسد حاجة الصعيد من الغذاء.

إن التغير المناخي أصبح حقيقة واقعة، ومن ثم فإن الإصرار علي رفض العلم ومعطياته والتمسك بالمعطيات الانطباعية يمكن أن يجر ويلات كثيرة علي الشعوب العربية خلال الفترة القادمة، فالهيئة الحكومية الدولية المعنية بتغير المناخ والتابعة للأمم المتحدة، تقول، وفق التقرير السنوي للمنتدي العربي للبيئة والتنمية الذي صدر في بيروت يوم الخميس 19 نوفمبر، إن زيادة درجة حرارة الأرض خمس درجات خلال العقود الخمس القادمة أصبح مؤكدا بنسبة 50%، مما يعني زيادة درجة حرارة الأرض 5 درجات، وهذا أمر خطير أشارت إليه أبحاث العلماء الأمريكيين الذين توصلوا إلي نتائج مفادها أن 53% من الصفيحة الجليدية في القارة القطبية الجنوبية قد انخفضت، وهذا يعطي نتائج أسوأ مما يتوقع بالنسبة لارتفاع منسوب المياه في البحار حيث لا تبقي دلتا النيل وحدها هي المهددة في العالم العربي بالغرق ولكن أجزاء من الكويت والإمارات وقطر وتونس وموريتانيا كذلك، فذوبان الثلوج سوف يؤدي إلي ارتفاع البحار ومن ثم غرق مناطق كثيرة من المناطق المنخفضة في العالم، ولن يكون العالم العربي بعيدا عن ذلك، ففي دراسة خاصة أجراها مركز الاستشعار عن بعد في جامعة بوسطن الأمريكية للمنتدي العربي للبيئة والتنمية أشارت الدراسة إلي أن ارتفاع مياه البحار مترا واحدا فقط سوف يؤدي إلي أن يبتلع البحر 41 ألفا وخمسمائة كيلو متر مربع من أراضي الدول العربية، وهذا رقم مرعب بكل المعايير يقتضي أن تتحرك الحكومات قبل فوات الأوان وأن يكف المسئولون العرب عن الرد باستهتار واستغباء علي كل تقرير علمي أو تحذير تطلقه مراكز الدراسات الجادة، وأن تقوم الجامعات العربية والعلماء بدورهم تماما كما تقوم الجامعات والمراكز البحثية في الغرب بدورها تجاه المجتمع.

إن الخطر قادم ولكن لن ينجو منه إلا الذي سيتحرك لمواجهته، أما إذا ظل الأمن وأمن الحاكم تحديدا هو الذي يدير الأنظمة العربية فسوف يغرق الجميع.

أحمد منصور – صحيفة الدستور المصرية المستقلة

5 comments

رابط RSS
  1. إن التغيرات المناخية هذه هي سنة الله في الكون، ولكن أكثرها حدث من صنع أيدينا وتلاعبنا بالبيئة الطبيعية من كثرة قطع الأشجار والحفريات والغازات المنبعة وكلها عوامل تراكمت على مر السنين زادت من تأثير البيئة السلبي، فالله عز وجل جعل كل خلقه في توازن لكن العولمة لم تدع الأمور كما هي في نصابها وأصبحت جشعة جدا.

  2. Samhar

    يبدو ان الحكومة المصرية لم ترى بعد ولن ترى التهديد الذي يشكله التغير المناخي على الامن القومي المصري وربما لن تستطيع رؤيته في ظل التهديد الكبير القادم من حدود غزة؟؟؟؟

  3. درش

    الحكومة نايمة وبعد ماتغرق الداتا هاتكون نايمة برده عشان احنا اللى ساكتين عن حقنا والساكت عن حقه شيطان اخرس وحكومتنا والحكومات العربية والشبيهه لها عاوذه ضرب النار والسلام عليكم

  4. بارك الله فيك اخ احمد ومن امثالك شخصية متميزه ومتفتح وارجو أن تتحلى بالأخلاص وهذا ظن أكثر المشاهدين فيك شكرا

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.