دلالات رحلة طائرة «سولار إمبلس»

كانت رحلة الطائرة «سولار إمبلس»، حول العالم كأول تجربة من هذا النوع، تحمل في طياتها العديد من الدلائل، أهمها أن الطاقة الشمسية ليس محصوراً استخدامها في توليد الطاقة الكهربائية للمنازل والمشاريع والخدمات، بل إن استخدامها سيتعدى ذلك في أمور قد لا تخطر على بال أحد من أبناء جيلنا الحالي. وها هي الطائرة التي حطمت الرقم القياسي وحققت حلم الطيارين الرائدين السويسريين برنارد بيكارد وأندريه بورشبرغ، حيث كان برنارد بيكارد قد نجح بمغامرته السفر بمنطاد حول العالم بمعية زميله بريان جونز حيث بدأت رحلته عام 1999 بحمولة 3.7 طن من غاز البروبان ووصل وهبط إلى الأرض ومعه فقط 40 كغم من هذا الغاز، مما يعني مجازفة خطرة جداً، ولكنه بدلاً من الإحباط أعلن أنه سيطير حول العالم مرة أخرى من دون وقود. الحلم تحول إلى تعاون وتبادل للرأي بين الرائدين السويسريين وهمهما الأول والأخير إثبات أن الوقود الأحفوري بعد أن وجدت بدائله على الأرض لابد أن يكون كذلك من خلال استخدام بدائل له في الطيران.

355وقد أمضيا شهوراً في التحضير البدني والذهني وتجاوزا طاقة التحمل في النوم غير المنتظم وخاصة في برنامج التناوب في قيادة الطائرة يساعدهما في ذلك طيار آلي لمدة 20 دقيقة فقط عند تبديل مكان القيادة كون تصميم الطائرة الذي خطر على بالهما هو لطائرة ذات مقعد واحد ويستوجب عليهما الأكل والشرب في حجرة القيادة لمدة خمسة أيام متواصلة بلياليها معتمدين في ذلك على نظام غذائي خاص تم تطويره لتأمين احتياجاتهما الغذائية.

أما الطائرة فقد استخدمت بطاريات الليثوم لتخزين الطاقة الشمسية المحولة إلى طاقة كهربائية عبر 17248 خلية شمسية موزعة على طول جانحيها اللذين يبلغ طولهما 72 متراً (أطول من أجنحة طائرة البوينغ 747)، وهذه الطاقة تستخدمها أربعة محركات كهربائية. صنعت هذه الطائرة من ألياف الكربون كي تكون أخف وزناً، حيث إن وزنها يعادل وزن سيارة متوسطة الحجم.

بدأت رحلة الطائرة «سولار إمبلس» من مدينة أبوظبي في 9 مارس/ آذار 2015 باعتبار مدينة أبوظبي مركزاً لأول معهد ومدينة في المنطقة «مصدر» يختص بالطاقة البديلة وخالية من انبعاثات الكربون بفضل استخدام الطاقة الشمسية وطاقة الرياح مصدرين بديلين عن الطاقة الأحفورية وبادرت لاستضافة نقطتي البداية والنهاية لهذه الرحلة التي استمرت أكثر من عام، حيث هبطت في مطار البطين يوم الثلاثاء 26 يوليو/ تموز الماضي.

إن تحقيق هذه الرحلة بالرغم من التحديات التي واجهتها خلال محطات سفرها أكدت على أن العلم وتطويع الإنسان للتقنيات الحديثة والمتطورة قادران على أن يخدما البشرية إذا ما أريد ذلك وبخاصة عند الربط ما بين الجدوى البيئية والاقتصادية والطموح. الرحلة أكدت من جهة إمكانية استخدام الطاقة الشمسية بدلاً من الوقود الأحفوري في الأجواء كما هي الحال على الأرض، ومن جهة أخرى أن الغلاف الجوي يعاني الكم الهائل من الطائرات التي تستخدم الوقود الأحفوري ما يساهم في الاحتباس الحراري وتغير المناخ الذي نلمس نتائج كارثية له، ما جعل مستقبل الشعوب وأمنها الغذائي والسياسي والصحي في مواجهة مخاطر عديدة سواء كانت طبيعية أو بفعل البشر.

كما أن هذه الرحلة تؤشر للشركات المنتجة للطائرات وبخاصة الصغيرة منها والتي يزداد استخدامها في العالم إلى إمكانية التحول إلى الوقود النظيف في الإنتاج المستقبلي. وقد حذت ذلك النهج العديد من الشركات المصنعة لليخوت والقوارب التي تعتمد على الطاقة الشمسية في إبحارها عوضاً عن الوقود الأحفوري. وفي تاريخنا المعاصر ليس غريباً استخدام الطاقة الشمسية في الصناعات والمنتجات، فقد عرفنا منذ القرن الماضي الساعات التي تعمل على الطاقة الشمسية والحاسبات كذلك، بدلاً من البطاريات، واليوم تستخدم الطاقة الشمسية حتى في شحن الهواتف المحمولة، وكذلك في السيارات، ولهذا يتوقع أن يكون مستقبل الاستغلال أوسع وأشمل وفي كل مفاصل الحياة.

وهناك دلالة أخرى من هذه التجربة وهي أن بحر العلم لايزال يحمل في أعماقه الكثير من الدرر وما أوتينا منه إلا قليلا، كما ذكر الخالق البارئ في كتابه الكريم، لهذا فلا خوف على الإنسان من أن يواصل سيره في هذا البحر الذي أخذت أمواجه تتلاطم ما بين من يطمح في نهل العلم لخير البشرية والبيئة وبين من يريد أن يستثمر العلوم لتدمير البشرية والبيئة. والمؤكد أن قوى الظلام قد يبدو أنها الغالبة لكن بالوحدة والعمل الجماعي للطيبين ستكون الغلبة لقوى الخير.

وليس في الختام سوى الإشارة إلى الرسالة التي استخلصها الرائدان من هذه الرحلة حيث «يتفق الطياران على أهمية التفكير الجماعي، لاسيما أنه لا يمكن لأي شخص الوصول إلى إنجاز استثنائي بمفرده، حيث يتيح العمل في فريق الاستفادة من تنوع الخلفيات المعرفية والمهارات وتبادل الخبرات، ومن ثم تنمو الأفكار ويكتسب كل عضو في الفريق أشياء جديدة».

ويقول الطياران: «بات العالم اليوم أكثر ترابطاً من ذي قبل، ولا يمكن حل أكبر التحديات التي نواجهها من خلال رجل واحد بمفرده، لأن الآخرين قادرون على المساعدة واستكشاف حلول جديدة والتفكير خارج الصندوق، لكي نجعل العالم مكاناً أفضل».
ويخلص الطياران إلى أن المستقبل في أيدي الأشخاص الذين يعتقدون أنه ليس هناك مستحيل، ويمتلكون روح الريادة والابتكار، لأن كل التحديات يمكن معالجتها، ولا يزال هناك ما يدعو إلى الأمل من أجل عالم مستدام.

كانت رحلة الطائرة «سولار إمبلس»، حول العالم كأول تجربة من هذا النوع، تحمل في طياتها العديد من الدلائل، أهمها أن الطاقة الشمسية ليس محصوراً استخدامها في توليد الطاقة الكهربائية للمنازل والمشاريع والخدمات، بل إن استخدامها سيتعدى ذلك في أمور قد لا تخطر على بال أحد من أبناء جيلنا الحالي. وها هي الطائرة التي حطمت الرقم القياسي وحققت حلم الطيارين الرائدين السويسريين برنارد بيكارد وأندريه بورشبرغ، حيث كان برنارد بيكارد قد نجح بمغامرته السفر بمنطاد حول العالم بمعية زميله بريان جونز حيث بدأت رحلته عام 1999 بحمولة 3.7 طن من غاز البروبان ووصل وهبط إلى الأرض ومعه فقط 40 كغم من هذا الغاز، مما يعني مجازفة خطرة جداً، ولكنه بدلاً من الإحباط أعلن أنه سيطير حول العالم مرة أخرى من دون وقود. الحلم تحول إلى تعاون وتبادل للرأي بين الرائدين السويسريين وهمهما الأول والأخير إثبات أن الوقود الأحفوري بعد أن وجدت بدائله على الأرض لابد أن يكون كذلك من خلال استخدام بدائل له في الطيران.

وقد أمضيا شهوراً في التحضير البدني والذهني وتجاوزا طاقة التحمل في النوم غير المنتظم وخاصة في برنامج التناوب في قيادة الطائرة يساعدهما في ذلك طيار آلي لمدة 20 دقيقة فقط عند تبديل مكان القيادة كون تصميم الطائرة الذي خطر على بالهما هو لطائرة ذات مقعد واحد ويستوجب عليهما الأكل والشرب في حجرة القيادة لمدة خمسة أيام متواصلة بلياليها معتمدين في ذلك على نظام غذائي خاص تم تطويره لتأمين احتياجاتهما الغذائية.

أما الطائرة فقد استخدمت بطاريات الليثوم لتخزين الطاقة الشمسية المحولة إلى طاقة كهربائية عبر 17248 خلية شمسية موزعة على طول جانحيها اللذين يبلغ طولهما 72 متراً (أطول من أجنحة طائرة البوينغ 747)، وهذه الطاقة تستخدمها أربعة محركات كهربائية. صنعت هذه الطائرة من ألياف الكربون كي تكون أخف وزناً، حيث إن وزنها يعادل وزن سيارة متوسطة الحجم.

بدأت رحلة الطائرة «سولار إمبلس» من مدينة أبوظبي في 9 مارس/ آذار 2015 باعتبار مدينة أبوظبي مركزاً لأول معهد ومدينة في المنطقة «مصدر» يختص بالطاقة البديلة وخالية من انبعاثات الكربون بفضل استخدام الطاقة الشمسية وطاقة الرياح مصدرين بديلين عن الطاقة الأحفورية وبادرت لاستضافة نقطتي البداية والنهاية لهذه الرحلة التي استمرت أكثر من عام، حيث هبطت في مطار البطين يوم الثلاثاء 26 يوليو/ تموز الماضي.

إن تحقيق هذه الرحلة بالرغم من التحديات التي واجهتها خلال محطات سفرها أكدت على أن العلم وتطويع الإنسان للتقنيات الحديثة والمتطورة قادران على أن يخدما البشرية إذا ما أريد ذلك وبخاصة عند الربط ما بين الجدوى البيئية والاقتصادية والطموح.

الرحلة أكدت من جهة إمكانية استخدام الطاقة الشمسية بدلاً من الوقود الأحفوري في الأجواء كما هي الحال على الأرض، ومن جهة أخرى أن الغلاف الجوي يعاني الكم الهائل من الطائرات التي تستخدم الوقود الأحفوري ما يساهم في الاحتباس الحراري وتغير المناخ الذي نلمس نتائج كارثية له، ما جعل مستقبل الشعوب وأمنها الغذائي والسياسي والصحي في مواجهة مخاطر عديدة سواء كانت طبيعية أو بفعل البشر.

كما أن هذه الرحلة تؤشر للشركات المنتجة للطائرات وبخاصة الصغيرة منها والتي يزداد استخدامها في العالم إلى إمكانية التحول إلى الوقود النظيف في الإنتاج المستقبلي. وقد حذت ذلك النهج العديد من الشركات المصنعة لليخوت والقوارب التي تعتمد على الطاقة الشمسية في إبحارها عوضاً عن الوقود الأحفوري. وفي تاريخنا المعاصر ليس غريباً استخدام الطاقة الشمسية في الصناعات والمنتجات، فقد عرفنا منذ القرن الماضي الساعات التي تعمل على الطاقة الشمسية والحاسبات كذلك، بدلاً من البطاريات، واليوم تستخدم الطاقة الشمسية حتى في شحن الهواتف المحمولة، وكذلك في السيارات، ولهذا يتوقع أن يكون مستقبل الاستغلال أوسع وأشمل وفي كل مفاصل الحياة.

وهناك دلالة أخرى من هذه التجربة وهي أن بحر العلم لايزال يحمل في أعماقه الكثير من الدرر وما أوتينا منه إلا قليلا، كما ذكر الخالق البارئ في كتابه الكريم، لهذا فلا خوف على الإنسان من أن يواصل سيره في هذا البحر الذي أخذت أمواجه تتلاطم ما بين من يطمح في نهل العلم لخير البشرية والبيئة وبين من يريد أن يستثمر العلوم لتدمير البشرية والبيئة. والمؤكد أن قوى الظلام قد يبدو أنها الغالبة لكن بالوحدة والعمل الجماعي للطيبين ستكون الغلبة لقوى الخير.

وليس في الختام سوى الإشارة إلى الرسالة التي استخلصها الرائدان من هذه الرحلة حيث «يتفق الطياران على أهمية التفكير الجماعي، لاسيما أنه لا يمكن لأي شخص الوصول إلى إنجاز استثنائي بمفرده، حيث يتيح العمل في فريق الاستفادة من تنوع الخلفيات المعرفية والمهارات وتبادل الخبرات، ومن ثم تنمو الأفكار ويكتسب كل عضو في الفريق أشياء جديدة».

ويقول الطياران: «بات العالم اليوم أكثر ترابطاً من ذي قبل، ولا يمكن حل أكبر التحديات التي نواجهها من خلال رجل واحد بمفرده، لأن الآخرين قادرون على المساعدة واستكشاف حلول جديدة والتفكير خارج الصندوق، لكي نجعل العالم مكاناً أفضل».
ويخلص الطياران إلى أن المستقبل في أيدي الأشخاص الذين يعتقدون أنه ليس هناك مستحيل، ويمتلكون روح الريادة والابتكار، لأن كل التحديات يمكن معالجتها، ولا يزال هناك ما يدعو إلى الأمل من أجل عالم مستدام.

د. داوود حسن كاظم*
صحيفة الخليج

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.