المدن العربية بين الترييف والاستدامة

في وقتنا الحاضر، يعيش أكثر من نصف سكان العالم في المدن بعيداً عن الأرياف، ومن المتوقع أن ترتفع هذه النسبة بسرعة كبيرة إذ ستصبح المدن موطناً دائماً لخمسة بلايين شخص في سنة 2030، نصفهم سيستفيدون من مساكن وأماكن عمل ومدارس وحدائق ليست موجودة حالياً.

ولا يختلف الحال كثيراً في العالم العربي الذي يستقر 56 في المئة من سكانه ضمن مراكز حضرية، علماً أن 20 مدينة عربية تستقطب وحدها نحو 20 في المئة من مجمل عدد السكان. وإذا كانت الحكومات العربية لم تعمل كثيراً على توفير الخدمات والبنى التحتية التي تدفع أبناء الريف للاستقرار في أراضيهم، فإن المدن لم تحظ أيضاً بالتنمية الحقيقية التي تتناسب مع زيادة عدد السكان، المقيمين منهم والمهاجرين.

مع ذلك، فالمدن العربية الكبرى، التي تتركز فيها جميع الفرص بمستقبل أفضل على المستوى الوطني، لم تفقد بريقها بالنسبة لمعظم المواطنين، وأحزمة البؤس كانت تتسع حولها عاماً بعد عام. وفي المحصلة، أخذت الأراضي الزراعية تزداد تصحّرا لأسباب من بينها خسارة اليد العاملة، أما المدن فأضحت قرى كبرى تعاني من ضعف المرافق وقلة فرص العمل.

مسألة تصحّر الريف وترييف المدن تفرض تحديات متزايدة تهدد أمن المياه والطاقة والغذاء، والهجرات الواسعة إلى المدن خلال فترات قصيرة كانت من بين الأسباب التي زادت من نقمة الشباب وأدت إلى اضطرابات لم تنته فصولها بعد.

المدن الناجحة تتسم بالمرونة وسرعة التكيّف مع الظروف المتغيرة. تملك هويتها المميزة إلا أنها تبقى منفتحة على الآخرين، وتتقبل التنوع. تحافظ على ترابط وتكامل مرافقها من خلال التخطيط الحضري السليم الذي يحسّن نوعية الحياة ويعزز بيئة العمل.

المدن الحقيقية بحاجة إلى قيادة ورؤية تستفيد من كل الطاقات المتاحة، وتبني الشراكة بين جميع القطاعات، وتعمل في الوقت ذاته على تقوية المؤسسات والنهوض بها من خلال الإصلاحات الحاسمة واعتماد التقنيات وتوسعة المعارف. حتى عندما يكون الإصلاح على المستوى الوطني صعباً أو مستحيلاً، فإن واجب الإدارات المحلية هو دفع عجلة الإصلاح على مستوى البلديات كلما كان ذلك ممكناً.

ليس سراً القول إن مجمل مدننا العربية تنوء بسكانها من دون تطوير ملموس في بناها ومقوماتها. والعديد من هذه المدن المليونية لا تحمل من صفات المدن سوى الكثافة البشرية. هي تجمعات تنحصر فيها الوظائف الحكومية وما يشبه المدارس والجامعات والحدائق، واستحقاقها للقب “المدينة” كان نتيجة صيرورة تاريخية لا نتاج عمل مخطط وجهد مدروس.

المدن كائنات حية استمرت بفضل ما قدمه الريف من خيرات تقوم بأودها، فإذا افتقدت القرى أبناءها فعلى المدن أن تعي أن النجاة لا تُدرك إلا باستغلال جميع المقدِّرات، ومن ذلك مثلاً ألا يستمر تدفق الماء والغذاء والطاقة باتجاه خطّي من المحيط إلى المدينة، بل يصبح تدفقاً دائرياً تنشأ عنه الموارد وتُستغل فيه المخلفات بهدف تحقيق الاستدامة. هذا الأمر لم يعد ترفاً يمكن تأجيله، بل هو حاجة تفرضها الوقائع القائمة والتحديات القادمة إذ كلما بقيت مدننا غير مستدامة فإن القلاقل ستتواصل والأزمات ستتصاعد.

عبد الهادي النجار 

المصدر: مجلة البيئة والتنمية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.