أثر الجو والنبات والتربة على المقننات المائية للمحاصيل الزراعية

الموارد المائية لدولة الإمارات العربية المتحدة محدودة، وتستهلك أكثر من 75% منها في مجال الزراعة. لذلك فإن ترشيد استهلاك مياه الري صار من أهم الأولويات الإستراتيجية التي ترعاها الدولة. والمحاصيل تستهلك المياه بالبخر والنتح في الجو الذي يحتوي على الطاقة اللازمة لذلك. والبخرنتح يلطف درجة حرارة النبات، ويدعو الماء للصعود بالعناصر الغذائية حيث يتفاعل 1% منه مع ثاني أكسيد الكربون بالجو بمساعدة طاقة ضوء الشمس ليكون الكربوهايدريت الذي هو المكون الأوّلي لجسم النبات وإنتاجه. والتربة هي خزان مياه محدود السعة يمد النبات بحاجته على قدر الطاقة المتوفرة بالجو.

يعرف المقنن المائي بأنه أقل كمية مياه يلزم إضافتها للنبات، ليعوض الفقد بالبخرنتح في الجو باختلاف مراحل نموه، ويفي باحتياجات الغسيل من الأملاح المتوقع تراكمها بسبب البخرنتح في الجو، ويفي بتعويض قلة كفاءة طريقة الري عن 100%، وذلك بعد فترة زمنية مناسبة لسعة حفظ التربة للمياه، لتعطي أعلى إنتاج.

إن الجو بطاقته والنبات بطبيعته ومراحل نموه يحددان احتياجات المحصول، والتربة بقوامها تنظم إمداد النبات بهذه الاحتياجات لأن لها سعة محدودة لحفظ مياه الري. لذلك فإن المقنن المائي يعني تحديد احتياجات المحصول ثم تنظيم هذه الاحتياجات بتحديد كمية مياه الرية الواحدة ثم فترة الري المناسبة.

من الواضح أن العوامل المؤثرة على المقنن المائي كثيرة ومتداخلة تجعل حساباته معقدة، خصوصا أن طاقة الجو اللازمة للنتح تحددها طاقة الإشعاع الشمسي ودرجة حرارة الهواء ورطوبته النسبية وسرعة الرياح وكلها متغيرات في الزمان والمكان. لذلك فإن الاهتمام صار حول استعمال نماذج فيزيائية رياضية تعالج جميع متغيرات الميزان المائي بالتربة حلا للمشكلة، خصوصا بعد إمكانية استخدام الحاسوب في حل هذه النماذج.
إن تقنين مياه الري بالطريقة التي تراعي أثر جميع العوامل يؤدي لدقة عالية، تؤدي لتوفير المياه، وزيادة الإنتاج، ووقاية التربة من التملح، والحفاظ على خصوبتها، ووقايتها من الأمراض المحبة للرطوبة المرتفعة، كما يوفر الطاقة والعمالة. لذلك نهدف في هذه المقالة البحثية إلى فهم دور هذه العوامل في تقنين مياه الري.

أولا: الاحتياجات المائية للمحاصيل
النبات يستهلك أكثر من 99% بالبخرنتح في الجو، وأقل من 1% لبناء ذاته وهي نسبة مهملة. لذلك يلعب الجو الدور الأساسي في تحديد الاحتياجات المائية لأي محصول، يليه النبات بطبيعته ومراحل نموه. والجو به الطاقة اللازمة لعملية النتح من النبات والبخر من التربة، لذلك يمكن تحديد كمية الطاقة الجوية على وحدة المساحة كل يوم باستخدام بيانات الأرصاد الجوية من خلال معادلات فيزيائية معلومة للمتخصص ثم تحويلها إلى مياه تفقد بالبخرنتح من وحدة المساحة، وهي الكمية التي ينبغي إعطاؤها للنبات ابتداءً.

أثر الجو على الاحتياجات المائية للنبات:
لتحديد أثر الجو لابد تحييد أثر المحصول باختيار محصول قياسي ليس له مراحل نمو وهو سطح حشائش طوله حوالي 12 سم، والبخرنتح منه يسمى البخرنتح القياسي وهو: البخرنتح من سطح حشائش جيد النمو وطوله من 8 : 15 سم ويغطي التربة جيدا، ولا يعاني نقصا في الماء أو السماد، ولا يعاني من أثر الحشرات والأمراض.

ويقاس البخرنتح القياسي بجهاز عبارة عن وعاء مدفون بحقل مزروع بالحشائش يروى بكميات معينة من الماء كل يوم وبقاعه أنبوب لتوصيل ماء الصرف إلى غرفة تجميعه لقياسه وطرحه من الماء المضاف، لينتج البخرنتح اليومي. ويكون بجوار الجهاز محطة أرصاد جوية لمقارنة هذه القياسات بطرق تقدير بمعادلات فيزيائية تعتمد على عناصر الجو. كما يستخدم هذا الجهاز لقياس البخرنتح من أي محصول، والصورة بشكل (1) توضح جهاز على مساحة دونم مزروع بالقطن في وسطه غرفة تجميع الماء المنصرف.

ظهرت معادلات كثيرة لتقدير هذا البخرنتح القياسي آخرها معادلة بنمان-مونتيث Penman-Montieth، التي قمنا بتحسين مقاومتها الهوائية لتناسب المناطق الجافة ثم استخدمناها في الحساب بمنطقة العين. وقد استخدمت بيانات محطة الأرصاد الجوية الزراعية بمركز الأبحاث الزراعية بالعين، وهي: درجات الحرارة والرطوبة النسبية للهواء وطاقة الإشعاع الشمسي ومدة سطوع الشمس وسرعة الرياح، لفترة 21 سنة من 1988 إلى 2008. أما مخرجاتها فهي البخرنتح القياسي (ETo) بالمليمتر/يوم أو لتر/م2/يوم أو ة3/دونم/يوم، شكل (2)، وقد بدأنا بشهر أغسطس لتتماشى مع الموسم الزراعي، وقد قسم كل شهر إلى ثلاث فترات، وقد يشذ عدد أيام الفترة الأخيرة فيكون 11 يوم للشهر ذي الـ 31 يوم أو 8 أيام لفبراير.

وبضرب كل قيمة في فترتها ثم تجميع الأشهر يتضح أن الاستهلاك السنوي لسطح الحشائش هو: 2471 م3/دونم، وخلال الصيف: 1192، والشتاء: 422، وخلال أشهر الاعتدالين: 857 م3/دونم. وهذا يعني أن الاستهلاك السنوي يقرب من ستة أضعاف الاستهلاك الشتوي، وهي نفس النسبة بين استهلاك محصول علفي دائم مثل الرودس ومحصول علفي  شتوي مثل الشعير.

أثر النبات على احتياجه المائي:
كل نبات له طبيعة فسيولوجية تجعله ينتح بنسبة مختلفة عن الآخر من البخرنتح القياسي بالإضافة إلى أن المساحة الناتحة تزداد من بداية الزراعة حتى انتهاء مرحلة تطور المحصول. فمحاصيل الخضر بعد اكتمال نموها الخضري تنتح بنسبة حوالي 1.1 من البخرنتح القياسي، وأشجار الحمضيات تنتح بنسبة 0.7 لأن السطح العلوي لأوراقها مغطاة بطبقة شمعية ويحدث النتح من السطح السفلي الذي لا يواجه الشمس مباشرة. وأثر الطبيعة الفسيولوجية للنبات ومراحل نموه يجمع فيما يسمى بعامل المحصول “Kc”.

كما أن هناك مؤثر خارجي يؤثر على قيمة عامل المحصول (Kc) في مرحلته الأولى وهو طريقة الري، فإذا كانت المساحة كلها تبلل كما في حالة الري بالرش فإن قيمة عامل المحصول تبدأ كبيرة، لاحظ شكل (3)، وإذا كانت التربة تبلل جزئيا كما في حالة الري بالتنقيط، حيث يبلل حوالي ثلث المساحة المنزرعة، فإن قيمة العامل تبدأ صغيرة.

فإذا علم عامل المحصول كل فترة ثلث شهر أو سدس شهر (خمسة أيام) أمكن تحديد البخرنتح من النبات Crop Evapotranspiration (ETc) كل فترة بضرب معدل النتح القياسي (ETo) لتلك الفترة في عامل المحصول (Kc) لنفس الفترة.

حساب العامل للمحاصيل الموسمية:
تنقسم فترة النمو إلى أربعة مراحل رئيسية، شكل (4):
1-    المرحلة الابتدائية: حتى نسبة خضرة 10%، والمعامل خلالها يسمى (Kc1).
2-    مرحلة التطور: إلى حوالي 90%، والمعامل خلالها يسمى (Kc2) وهو متغير مع تغير النمو.
3-    المرحلة المتوسطة: إلى تمام النضج أو بداية الاصفرار، والعامل خلالها يسمى (Kc3).
4-    المرحلة المتأخرة: إلى الحصاد أو نهايته، والعامل في نهايتها يسمى (Kc4).

من تجارب سابقة، تم قياس مدة هذه المراحل بالنسبة لمجموع فترة موسم المحصول، وكذلك قيمة عامل المحصول خلال هذه المراحل. وسجلت هذه النسب في جداول ونشرت بمنشورات عديدة منها (FAO 56) وهو منشور موجود على النت، وإذا وجدت بيانات محلية كان لها الأولوية في الاعتبار.

في المرحلة الابتدائية يسود التبخر من التربة، وفي مرحلة التطور يتزايد النتح ويقل التبخر تدريجيا، وفي المرحلة الوسطى يسود النتح من النبات وبالتالي تتدخل نوعية المحصول أكثر. وخلال المرحلة الابتدائية في التربة الرملية يكون الجذر سطحي، وبالتالي يكون الري يومي. لذلك يكون العامل قريبا من 1.0 إذا كان الري بالرش، ويقل إلى 0.3 في حالة الري بالتنقيط لأن ثلث المساحة المنزرعة على الأكثر يكون مبتلا. وفي المرحلة المتأخرة لا يقل العامل كثيرا (0.7) للمحاصيل ذات الحصاد الطازج مثل الطماطم والخيار، ويقل كثيرا (0.2) للمحاصيل ذات الحصاد الجاف مثل القمح والذرة.

مثال: محصول الطماطم
سنرسم منحنى عامل محصول الطماطم ونحسب استهلاكه المائي وكفاءة استخدام المياه، لتجربتين أجريتا بمركز أبحاث العين في موعدين مختلفة وموسمين مختلفين. الجدول الآتي يحتوي تواريخ زراعة وحصاد وإنتاج الموعدين من بيانات المركز. ثم بالحساب والاستعانة بجداول منشور: (FAO 56)، أمكن تحديد طول كل مرحلة بالأيام وتاريخ بدايتها، وكذلك تحديد قيمة عامل المحصول للمرحلة الأولى والثالثة والأخيرة، والجدول (2) يحتوي هذه البيانات. والشكلان (5)، (6) يحتويان النتائج المطلوبة، فالأول يبين منحنى عامل المحصول والثاني يبين الاستهلاك المائي (م3/دونم/يوم) كل خمسة أيام للموعدين. وتم ضرب الاستهلاك اليومي في عدد أيام الفترة ثم جمع استهلاك جميع الفترات لتحديد الاستهلاك الكلي للمحصول.

ويلاحظ في النتائج أن:
1- لكل موعد شكل خاص لمنحنى عامل المحصول وموقع خاص خلال أشهر السنة.
2- كمية الاستهلاك المائي الكلي للموعد الأول 616 م3/دونم وللثاني 630 م3/دونم. وبقسمة هذه الكميات على إنتاج كل موعد يتضح أن الكيلوجرام من الطماطم يتكلف 41 لتر إذا زرعت في أول شهر 10 ويتكلف 56 لتر إذا زرعت في شهر 2. وهذا ما يعرف بكفاءة استخدام المياه. ومن هنا فإن الموعد الأول أكثر توفيرا للمياه من الموعد الثاني. وهذا بفرض مثالية المعاملات الزراعية الأخرى مثل التسميد والخدمة.
3- منحنى الاستهلاك المائي للموعد الأول نائم أو منخفض حتى منتصف الموسم برغم نمو المحصول وزيادة مساحته الناتحة، وتفسير هذا أن المحصول ينمو ولكنه داخل على أيام برودة لها طاقة تبخيرية أقل. أما المنحنى للموعد الثاني فيلاحظ ارتفاعه بسبب زيادة النمو وزيادة الحرارة في نفس الوقت.

ثانيا: احتياجات الري للمحاصيل
احتياجات الري أو جدولة الري للمحاصيل تعني تحديد:
1 –  كمية مياه الرية الواحدة Irrigation Quantity (IQ) باختلاف: قوام التربة، وعمر النبات.
2  – فترة الري Irrigation Interval (II) باختلاف: عمر النبات، وطاقة الجو، وقوام التربة.

الاحتياجات المائية للمحصول السابق حسابها هي كميات تنطلق بالجو ولا تعود أبدا. واحتياجات الري تزيد عن احتياجات المحصول بكميات تعود للتربة ثانية، وهي كمية لغسيل التربة من الأملاح المتوقع تراكمها بالتربة بسبب البخرنتح في الجو، وكمية أخرى ضرورة نقص كفاءة ري أي نظام عن 100%، حيث يستحيل ضمان تجانس توزيع مياه الري في منطقة الجذور الفعالة بشكل كامل.

ولما كان سبب تركز الملوحة بالتربة هو الجو من خلال قدرته التبخيرية، لذلك كانت احتياجات غسيل الوقاية تمثل نسبة من البخرنتح من المحصول تسمى نسبة احتياج الغسيل Leaching Requirements (L). وتوجد بمنشور (FAO 24) علاقة لتقدير هذه النسبة تعتمد على ملوحة مياه الري ومدى تحمل كل محصول. وللخروج من كثرة الحسابات، حيث تختلف ملوحة مياه الري من مكان إلى آخر بمنطقة العين، فقد دلت الحسابات أن القيمة العظمى لنسبة الغسيل تساوي 15% لجميع مستويات ملوحة المياه وجميع المحاصيل، وسوف نضيف هذه النسبة لجميع الحالات. أما كمية تعويض نقص كفاءة الري عن 100% فإنها تزاد مع كمية مياه الرية الواحدة للتربة مباشرة كما سيأتي.

كمية مياه الرية الواحدة
علمنا احتياجات الطماطم باختلاف الطاقة المناخية بالجو وعمر المحصول، والسؤال الآن كيف نمد المحصول بهذه الاحتياجات؟ والجواب أن التربة هي المنظم الأساسي لعملية إمداد المحصول باحتياجاته، لأنها تمثل خزان ماء محدود السعة. فإذا ما أضيفت كمية مياه الرية إلى التربة فإن الجزء اللازم للغسيل ولتعويض نقص كفاءة الري ينصرف تحت مستوى الجذور ويبقى ما تستطيع التربة حفظه ليمد النبات باحتياجاته اليومية حسب القدرة التبخيرية لطاقة الجو من يوم لآخر حتى تنتهي فترة الري.

وكمية مياه الرية الواحدة تتوقف على: (1) حجم تربة الجذور الفعالة. (2) سعة حفظ التربة للمياه. (3) نوعية النبات، حيث أن هناك نسبة انخفاض معينة من سعة حفظ التربة للمياه مسموحة لكل محصول بحيث لا تؤثر على إنتاجه، وهي للطماطم 0.4.

حجم تربة الجذور الفعالة:
الطول الفعال لجذر أي محصول يمثل 0.75 من أكبر طول حيث يوجد معظم المجموع الجذري. وحجم تربة الجذور يتوقف على: العمق الفعال للجذور (De) والمساحة المروية (S). وعمق الجذور يبدأ صغيرا في بداية الزراعة ثم يكبر إلى أن يتوقف مع نهاية فترة التطور. والمساحة المروية تتوقف على طريقة الري، فالري بالرش يعني أن المساحة المنزرعة كلها ستروى، والري بالتنقيط يعني أنه ليس هناك حاجة لتبليل أكثر من ثلث المساحة المنزرعة. والعمق الأعظم لجذور الطماطم في التربة الضحلة (غير العميقة) 0.7 م (FAO 24)، فيكون العمق الفعال الأعظم للطماطم يساوي حوالي 0.55 م في تربة منطقة العين الضحلة. وإذا اعتبرنا المساحة المنزرعة = 1 دونم = 1000 م2، فيكون حجم تربة الجذور الفعالة (V) هي: V = 1000/3 × De، والعمق الفعال للجذور سيبدأ من 0.1 م في بداية الزراعة وينتهي إلى 0.55 م في نهاية مرحلة التطور. وبهذا أمكن التحديد الكمي لحجم تربة الجذور الذي سيضاف له ماء الري، وبقي أن نعرف النسبة من هذا الحجم التي سيمكن للتربة أن تحتفظ به ماءً.

سعة حفظ التربة للماء:
تقاس سعة حفظ التربة للماء بنسبة الماء المتاح بالتربة، وهي الفرق بين النسبة الحجمية لرطوبة التربة عند حالة السعة الحقلية والنسبة الحجمية لرطوبة التربة عند حالة نقطة الذبول الدائم. وهذا بدوره يتوقف على قوام التربة والذي يتغير من مكان لآخر.

1- قوام التربة (Soil Texture): قوام التربة يصنف حسب قطر حبيبات التربة، فكلما صغر كانت التربة أنعم وكلما كبر كانت التربة أخشن. وتربة منطقة العين الزراعية رملية متفاوتة القوام. لذلك تم اعتماد التقسيم الأمريكي لقوام التربة الرملية، والذي يقسم إلى خمسة أقسام من رمل خشن جدا إلى رمل ناعم جدا.

أخذت عينات من التربة من مركزي الأبحاث بالعين والسلامات ومشروع الفوعة لتطوير وتنمية النخيل، حتى عمق 120سم. ثم حددت نسب تقسيمات القوام الخمسة، ثم أخذ المتوسط الموزون لقطر الحبيبات. وبهذا أمكن الانتهاء إلى تصنيفات ثلاثة لقوام تربة العين الرملية وهي: ناعم ومتوسط وخشن، وسوف تربط هذه التصنيفات الثلاثة بالخصائص المائية للتربة، أي بالسعة الحقلية ونقطة الذبول الدائم.

2- نسبة الماء المتاح Available Water (AW): أثناء وبعيد الري مباشرة تتشبع التربة بالماء وتكون رديئة التهوية، وبعد مدة من الوقت ينصرف الماء الحر ويبقى الماء الشعري، وتكون النسبة الحجمية لرطوبة التربة حينئذ في حالة السعة الحقلية Field Capacity (FC)، جيدة التهوية. يستهلك النبات من هذه الرطوبة، نتحا بالجو يوما بعد يوم، حتى يقل الماء إلى الحد الذي لا يكفي نموه ويبدأ في الذبول الدائم، وتسمى النسبة الحجمية لرطوبة التربة حينئذ بنقطة الذبول الدائم Welting Point (WP). ونسبة رطوبة التربة في كل الحالات تختلف باختلاف قوام التربة. والفرق بين النسبة الحجمية لرطوبة التربة عند حالة السعة الحقلية والنسبة عند حالة نقطة الذبول يسمى نسبة الماء المتاح  للنبات، وتقديرها لتربة منطقة العين باختلاف قوامها مبين بالجدول (3).

3- نسبة الماء الميسر للنبات: Readily Available Water (RW): نسبة الماء الميسر للنبات هي جزء من نسبة الماء المتاح وهي نسبة ميسرة للنبات بدون مشقة تؤثر على نموه وبالتالي إنتاجه، وهذه النسبة تختلف من نبات لآخر، وللطماطم كمثال = 0.4 (FAO 24)، وحسابها مبين بجدول (3) أيضا.

ويتضح من النتائج بجدول (3) أن التربة الرملية الناعمة يمكن أن تحتفظ ب 140 لتر/م3 (140 مم/م)، والمتوسطة 110 لتر/م3، والخشنة 80 لتر/م3. والكميات الميسرة للطماطم هي 56 لتر/م3 في التربة الرملية الناعمة 44 لتر/م3 في المتوسطة و 32 لتر/م3 في الرملية الخشنة.

4- كمية مياه الرية الواحدة (Q): الآن يمكن حساب كمية الماء الميسر للطماطم في الدونم (م3/دونم) باختلاف قوام التربة وعمر النبات، وذلك بضرب حجم تربة الجذور في نسبة الماء الميسر للطماطم. وكمية المياه التي ينبغي إضافتها كل رية تساوي كمية الماء الميسر إذا ضمنا وصولها لتربة الجذور فقط، وهذا في العادة لا يحدث بسبب عدم تجانس صب الماء للتربة والذي يقلل من كفاءة الري عن 100%. لذلك فإن كمية مياه الرية الواحدة ]م3/دونم[ تساوي كمية الماء الميسر مقسوما على كفاءة الري (IE)، وهو للري بالتنقيط = 0.90. والمعادلة هي:  Q = 1000/3× De × RW / IE.

الجدول (4) والشكل (8) الآتي يوضح النتائج للميعاد الأول للطماطم للمثال السابق، حيث يلاحظ زيادة كمية مياه الرية من بداية الزراعة ثم تثبت بعد اكتمال مرحلة التطور. ولا علاقة بين كمية مياه الرية الواحدة والجو فهي واحدة صيفا وشتاء، والذي يتغير مع الجو هو فترة الري كما سيأتي.

ملحوظة مهمة: كمية مياه الرية الأولى تحسب وحدها بحيث نضمن امتلاء خزان التربة في لبداية الزراعة لكي تكون كميات الري اللاحقة صحيحة. وفي مثالنا على الطماطم تحسب على نسبة السعة الحقلية 0.20 باعتبار التربة جافة تماما قبل الزراعة في عمق 0.55 م وثلث المساحة المنزرعة لأن الري بالتنقيط.

فترة الري
إن كمية الماء الميسر بخزان تربة جذور النبات سوف يستنفذ بالمعدل اليومي لاحتياج النبات وسيكفي لعدد من الأيام تسمى فترة الري. لذلك فإن تحديد فترة الري بالأيام ينتج بقسمة كمية مياه الرية الواحدة على المعدل اليومي لاحتياج النبات والذي تحدد من قبل (م3/د/يوم) والجدول السابق يحتوي النتائج للطماطم ولاحظ الشكل الآتي الذي يبين اختلاف فترة الري باختلاف المناخ من شهر لآخر وقوام التربة وعمر النبات.
ويلاحظ أن فترة الري طويلة للقوام الناعم وقصيرة للقوام الخشن. وهي أطول للمعدل اليومي الأقل وأقصر للمعدل الأكبر. كما تطول فترة الري بزيادة عمر النبات في البداية، حيث تزداد سعة خزان التربة إلى أن تثبت مع ثبات نمو الجذور.

كمية مياه الرية الواحدة لا تتغير بتغير المناخ من شهر لأخر، بينما تتغير فترة الري، من هنا تظهر ضرورة الالتزام بفترة الري الصحيحة المتغيرة من أجل ترشيد استهلاك مياه الري. وكلما طالت فترة الري كلما كان الترشيد أسهل. ويمكن تطويل فترة الري للتربة الرملية باستخدام المحسنات الطبيعية للتربة مما يؤدي للتقليل من تكرار الأخطاء البشرية في الإسراف، والتقليل من التبخر من التربة خلال المرحلة الابتدائية ومرحلة التطور لأن قشرتها السطحية ستجف بعد اليوم الأول من الري فينتح النبات بقية أيام فترة الري بدون تبخر من التربة.

علاقة كفاءة الري بالمقنن المائي
كفاءة الري تتوقف أساسا على طريقة الري والتصميم الهندسي لشبكة الري. إلا أن الاستفادة العظمى من هذه الكفاءة تتوقف على دقة تقنين الري كمية وفترة. وكفاءة الري لأي طريقة أقل من 100% دائما، لأن كل طرق الري لا تضمن توزيع الماء بشكل متجانس تماما على سطح التربة. وهذا يؤدي إلى ضرورة فقد بعض الماء تحت مستوى الجذور لضمان وصوله للأماكن ضعيفة التوزيع بمنطقة الجذور.

ولفهم العلاقة بين كفاءة الري والمقنن المائي لابد من معرفة كيفية حركة المياه في التربة. فأثناء الري تكون حركة الماء رأسية بسبب الجاذبية الأرضية وأسرع في التربة الخشنة وأبطأ في التربة الناعمة، وتنتشر أفقيا بسبب القوى الشعرية إلى المكان الأجف لأن الري بالتنقيط يكون بجوار النبات فقط والتربة حوله أجف، شكل (9)، ويكون الانتشار الأفقي أوسع في التربة الناعمة وأقل في الخشنة لأن القوى الشعرية أكبر للقوام الأنعم. وبعد توقف الري يتوقف الصرف ويستمر الماء الشعري في الانتشار أفقيا إلى المكان الأجف. فإذا كان الري متكررا بدون داعي فسيستمر الانتشار الأفقي للماء مبتعدا عن الجذور إلى المكان الأجف، وتبتل التربة بجميع الحقل فيؤدي التبخر منه إلى قلة كفاءة الري وتملح التربة بمرور الأيام. أما إذا كان تكرار الري أو فترة الري مناسبة ومحسوبة فستكون هناك فرصة لحركة الماء نحو الجذر، لأن الجذور ستمتص الماء فتقل الرطوبة حولها فيتحرك الماء نحوها.وهذا كله يعني أن مراعاة فترة الري المناسبة للجو وقوام التربة مهم جدا لرفع كفاءة الري وبالتالي توفير استهلاك المياه.

خلاصة: الجو بطاقته والنبات بطبيعته ومراحل نموه يحددان كمية الماء اللازمة لنمو وإنتاج محصول جيد مع كون المعاملات الزراعية الأخرى عند حالتها المثلى. والتربة بسعتها لحفظ الماء تنظم إمداد النبات باحتياجاته هذه: فهي بقوامها مع نمو الجذر بداية يحددان كمية مياه الرية الواحدة، وهي مع الجو بطاقته التبخيرية يحددان فترة الري المناسبة. وكفاءة الري تتوقف أساسا على هندسة نظام الري، إلا أن الإدارة الحقلية للري الملتزمة بالمقنن المائي كمية وفترة هي التي تحدد أقصى ما يمكن أن نحصل علية من هذا النظام.

المراجع:
1-    FAO Irrigation and Drainage paper No. 56., Rome.
2-    FAO Irrigation and Drainage paper No.24, Rome.

باحث أول: كمال الدين يوسف جعفر
ماجستير الأرصاد الجوية الزراعية/مقننات مائية/كلية العلوم/جامعة القاهرة
مراقب أول الأرصاد الجوية الزراعية/مركز الأبحاث الزراعية بالعين/قطاع الزراعة

من محاضرات الدورة التدريبية الأولى لموسم الزراعي 2009 – 2010 للمهندسين والمرشدين الزراعيين

11 comments

رابط RSS
  1. طه احمد الشمري

    الموضوع جميل جدا ومفيد ارجوك استاد كمال من مساعدتي في بحث الدكتوراة فانا اخوك من العراق واكتب في طرائق الري الحديثة واثرها على مستقبل مياة الري في العراق لاتبخل علي بالمصادر ارجوك انتظر مساعدتك على ايميلي المكتوب ورقم تلفوني 07812917487 واكون شاكر لك ياخي ففي العراق نشكو من قلة المصادر واللة لايضيع اجرك

  2. أمل السقاف

    السلام عليكم عندي استفسار نوعاً ما خارج عن الموضوع
    من المعروف أن معامل الحصاد= المحصول الاقتصادي / المحصول البيلوجي * 100

    ارجو منكم مساعدتي في دكر اسم الشخص الذي وضع هده المعادلة
    وجزاكم الله عنا خيراً

  3. كمال جعفر

    الأخت أمل: السلام عليكمورحمة الله وبركاته
    هذه نسبة لاتحتاج إلى واضع، وتسمى أيضا كفاءة الإنتاج. وتساوي نسبة المحصول الحقيقي في الحقل إلى المحصول الممكن (سقف الإنتاج) . والمحصول الممكن هو المحصول بفرض مثالية كل المتغيرات وله معادلات تحسبه. وهذه النسبة تستخدم في تقييم مدى إصابة محصول أو مدى الإهمال في رعايه.والمحصول الحقيقي يكون اقتصاديا إذا كانت هذه النسبة أكبر من 60%.

  4. محمد سلمان

    شكرا جزيلا علي الموضوع القيم.
    ارجو منكم المساعدة في الحصول علي تجربة لقياس السعة الحقلية ولكم جزيل الشكر

  5. كمال جعفر

    أخي محمد سلمان
    السلام عليكم ورحمة الله وبركاته
    كما قرأت أن السعة الحقلية هي النسبة الحجمية لرطوبة التربة بعد انصراف الماء الحر إلى الأعماق بعيدا عن منطقة الجذور، ووحدتها [متر مكعب ماء\ متر مكعب تربة جافة]، أما التجربة التي طلبتها فهي كالآتي:
    1- أحضر عينة التربة المراد قياس سعتها الحقلية وجففها تجفيفا هوائيا.
    2- قلب التربة جيدا ليتجانس قوامها، ثم خذ واحد لتر منها بمخبار مدرج.
    3- ضع العينة الموزونة في إناء بلاستيكي صغير مخروم من قعره وفوق الخروم شاشة تمنع خروج حبيبات التربة، وزن العينة بالإناء.
    4- صب نصف لتر من الماء ببطء مع توزيع الماء على أنحاء الإناء إلى أن تلاحظ خروج الماء من الخروم السفلى، وهو الصرف.
    5- إذا كانت التربة رملية أترك العينة يوما 24 سالعة وإذا كانت طينة أتركها ثلاث أيام.
    6- زن العينة واطرح منها الوزن السابق يعطيك وزن الماء في واحد لتر من التربة الجافة.
    7- تذكر أن كثافة الماء تساوي واحد صحيح، وهذا يعني أن وزن الماء يساوي حجمه عدديا، لذلك فإن ناتج الطرح الأخير هو حجم الماء في لتر من التربة، وهي النسبة المطلوبة.
    8- نقطة الذبول هي النسبة الحجمية للماء بالتربة عندما يبدأ النبات بالذبول، وتقدر بحوالي 0.4 من السعة الحقلية.
    9- الماء المتاح هو طرح نقطة الذبول من السعة الحقلية.
    10- الماء الميسر = نسبة من الماء المتاح تتوقف على مدى حساسية النبات للماء، وهي موجودة لعدة محاصيل بمنشور الفاو للري والصرف رقم 24.
    11- إذا ضربت نسبة الماء المتاح في حجم تربة الجذور يعطيك كمية مياه الرية الواحدة.
    12- حجم تربة الجذور يساوي المساحة المنزرعة في عمق الجذر الذي يتناسب مع عمرالنبات ويثبت عند القيمة العظمى في مرحلة تمام النمو الخضري.
    13- كمية مياه الرية الواحدة يستنفذ بمعدل البخرنتح اليومي، وخارج القسمة يعطيك فترة الري.
    وهذه هي جدولة الري
    ورجاء من من يريد العقيب والإستفسار أن يترك بريده الإلكتروني
    د. كمال جعفر، مؤلف المفالة

  6. ابو خالد

    سعادة الدكتور كمال جعفر
    سلام عليكم ورحمة الله وبركاته
    شكرا لك على هذا البحث الجميل
    ونأمل اذا بالامكان تزويدنا بنسخه من البحث
    حيث اننا احد المهتمين والمتخصصين بالزراعه
    وتقبلوا خالص تحياتي
    ابو خالد

  7. يحيي الكرجاتي

    أخي الكريم
    أنا ادرس مشروع إنتاج اّلة للري بالرش ( المدفع المتحرك ) و اريد طريفة لحساب كميات المياه المطلوبة للمحاصيل، مثل القمح و الذرة و الشعير. علماً بأن الألة ستستخدم في الصحراء و سيناء.
    و لكم الشكر
    يحيي الكرجاتي

  8. توفيق محمود الشيخ

    نشكزك يا دكتور علي البحث العلمى و المكتمل .راجيا ارسال المزيد من المراجع الحديثه بالايميل حتي اتمكن من الاستفاده خاصة ان بحثي في مجال الري.

  9. tawfeeg Mahmoud

    اخي الدكتور الكريم لك جزيل الشكر فبما فدمته لهده الامه.اود ان اصمم تجربه اقارن قيها بين ثلاثه او اربع طرق لتقليل البخر نتح للطماطم بالمناطق الجافه بالسودان ارجو المساعده بالخطوات المثاليه ومدنا بالمراجع والدراسات الاقرب لذلك .والله الموفق.

  10. حوراء

    السلام عليكم
    هل بالامكان بيان السبب العلمي لكل من العوامل المؤثرة على المقنن المائي
    1- يقل المقنن للنباتات التي تحتاج كمية مياه اكبر
    2- يقل المقنن للترب ذات النفاذية العالية
    3-يزداد المقنن اذا قلت درجة الحرارة وزادت الرطوبة
    4- يزداد المقنن بازدياد كمية الامطار

  11. محمد عمر محمود

    نقطة الزبول هي المرحلة لا يستطيع فيها النبات امتصاص الماء عبر الجوزر ويتوقف نظام الخاصية الشعرية فيبدا النبات في تساقط الاوراق

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.