مع تصاعد الجدل العالمي حول الوسائل العلمية الفعّالة لمكافحة تغير المناخ، يبرز دور المحيطات كواحدة من أهم مصارف الكربون في النظام البيئي الأرضي.
وفي هذا الإطار، يقدّم فريق بحث من الجامعة النرويجية للعلوم والتكنولوجيا، نهجاً متقدّماً لرصد وتحديد مواقع مخازن ثاني أكسيد الكربون المخزّن تحت قاع البحر، بهدف ضمان سلامتها وفعالية تخزينها طويل الأمد كجزء من جهود احتواء الغازات الدفيئة.
المحيطات: مخازن كربون حاسمة في المناخ العالمي
تُعدّ المحيطات أكبر مستودع طبيعي للكربون على كوكب الأرض، إذ تمتص نحو ربع إجمالي انبعاثات ثاني أكسيد الكربون الناتجة عن النشاط البشري من الغلاف الجوي، وتخزّنه في أعماقها عبر عمليات فيزيائية وكيميائية معقدة.
ويعد فهم توزيع هذا الكربون وما إذا كان يبقى محبوساً أم يتسرب إلى الغلاف الجوي مرة أخرى أمر بالغ الأهمية في التنبؤ بمعدلات الاحتباس الحراري وتغير المناخ.
لكن التحدي الكبير ينبع من صعوبة رصد هذه المخازن تحت قاع البحر، خصوصاً حين تُستخدم الصخور الرسوبية المستنفَدة من النفط والغاز لتخزين الكربون المستخرج من مصادر صناعية أو من محطات توليد الطاقة.
ثورة في المراقبة الجيولوجية تحت قاع البحر
في مشروع رائد على حقل سليبنر في بحر الشمال، وهو أحد أطول مشاريع تخزين الكربون البحري في العالم ويحتوي نحو 20 مليون طن من ثاني أكسيد الكربون في تكوين أوتسيرا الملحي، طور الباحثون تقنية متقدمة لتحليل البيانات الزلزالية تسمّى “انعكاس الموجة الكاملة” (Full-Waveform Inversion).
ولا تكتفي هذه التقنية بالاعتماد على أوقات وصول الموجات الزلزالية كما في الأساليب التقليدية، بل تستفيد من كامل الإشارة الزلزالية لإنتاج صور ثلاثية الأبعاد دقيقة جداً للبنيات الجيولوجية تحت قاع البحر، والنتيجة قدرة غير مسبوقة على تحديد أماكن وجود ثاني أكسيد الكربون المخزّن، وبتفاصيل توضح توزيعه بين الطبقات المختلفة من الصخور.
ووصف أحد الباحثين المشاركين، البروفيسور فيليب رينجروس، هذه المقاربة بأنها تشبه “الفرق بين ارتداء نظارات ضبابية ورؤية واضحة التفاصيل لكل طبقة وكل ممر في تكوين الصخور”.
مختبر يحاكي الواقع البحري لتحسين المراقبة
بالإضافة إلى التحليل الحاسوبي، بنى الفريق المختبري نموذجاً تحاكي فيه طبقة الصخور وإدخال غازات ضمن خزان مماثل لتكوين أوتسيرا. في هذا الحوض المائي يمكن اختبار أجهزة الاستشعار والطرق المختلفة لرصد ثاني أكسيد الكربون، ما يمكّن الباحثين من تحسين تقنياتهم وخفض تكاليف المراقبة المستقبلية دون الحاجة إلى إرسال سفن بشكل مستمر في البحر.
وهذا النموذج ليس مجرد أداة تعليمية، بل منصة بحث لتحدّي النظام ومعرفة مدى كفاءة البيانات الزلزالية في تحديد مواقع الكربون، حتى عندما تكون بعض أجزاء البيانات مفقودة أو غير مثالية.
يشير القائمون على المشروع إلى أن المستقبل قد يحمل إمكانيات تعتمد على ألياف بصرية مدفونة تحت قاع البحر لمراقبة التغيرات الدقيقة في خواص الصخور ومعرفة إذا ما كان ثاني أكسيد الكربون يبقى مخزّناً أم يتسرب. مثل هذه الابتكارات يمكن أن تُحوّل إدارة مخازن الكربون إلى نظام دائم يعتمد على مراقبة فورية وبتكلفة أقل، ما قد يساعد في توسيع نطاق عمليات احتجاز الكربون واستخدامه في محيطات العالم بشكل آمن وفعّال.
أخبار البيئة / الجامعة النرويجية للعلوم والتكنولوجيا
























































