زاهر هاشم
تتجه الأنظار مرة أخرى إلى البرازيل حيث تجتمع دول العالم لتقييم التقدم المحرز وتشكيل المرحلة التالية من العمل المناخي العالمتتجه الأنظار مرة أخرى إلى البرازيل حيث تجتمع دول العالم لتقييم التقدم المحرز وتشكيل المرحلة التالية من العمل المناخي العالمي، بعد 33 عامًا من قمة ريو التاريخية التي أنشأت أول معاهدة دولية لمكافحة تغّير المناخ الذي يسببه الإنسان، وبعد عقد من اتفاقية باريس التي تسعى إلى تعزيز العمل المناخي العالمي في مواجهة ظاهرة الاحترار العالمي والتخفيف من الانبعاثات الغازية المسببة لها، والتكيّف مع آثارها، وجمع التمويل بشأن ذلك.
وينعقد “مؤتمر الأطراف” بنسخته الثلاثين هذا العام في مدينة بيليم وسط غابات الأمازون، الاثنين 10 تشرين الثاني/نوفمبر، ليعيد قضية المناخ إلى مقدمة عناوين الأخبار في الصحف ووسائل الإعلام، إما بسبب الصفقات المتقدمة والتعهدات الجديدة المنتظرة لتعزيز العمل المناخي، أو بسبب الخلافات والمخاوف بشأن التقدم البطيء.
يُقصد بتغير المناخ التحولات طويلة الأجل في درجات الحرارة وأنماط الطقس، وأصبحت الأنشطة البشرية منذ القرن التاسع عشر، المسبب الرئيسي لتغير المناخ، ويرجع ذلك أساسًا إلى حرق الوقود الأحفوري، مثل الفحم والنفط والغاز، خصوصًا في قطاعات الصناعة وإنتاج الطاقة ووسائل النقل، التي ينتُج عنها انبعاثات غازية تسمى غازات الدفيئة (وأهمها ثاني أكسيد الكربون والميثان وأكاسيد النتروجين)، وتعمل مثل غطاء يلتف حول الكرة الأرضية، يؤدي إلى حبس حرارة الشمس داخل الغلاف الجوي، ورفع درجات حرارة كوكب الأرض، في ظاهرة خطيرة تعرف بظاهرة الاحتباس الحراري.
يعيد “كوب 30” قضية المناخ إلى مقدمة عناوين الأخبار في الصحف ووسائل الإعلام، إما بسبب الصفقات المتقدمة والتعهدات الجديدة المنتظرة لتعزيز العمل المناخي، أو بسبب الخلافات والمخاوف بشأن التقدم البطيء
حجر الزاوية في العمل المناخي العالمي
يعدّ تغير المناخ تحديًا عالميًا كبيرًا يتطلب توحيد الجهود الدولية للتخفيف من هذه الظاهرة وآثارها المدمرة، ويأتي مؤتمر الأطراف “Conference Of the Parties” (COP) لاتفاقية الأمم المتحدة الإطارية بشأن تغير المناخ، حيث يجتمع نحو 198 بلدًا كل عام، لتقييم التقدم المحرز والاتفاق على الخطوات الجماعية التالية، وتبني الأطراف قرارات تعكس اتجاه العمل المناخي العالمي في المستقبل.
وكانت البداية من البرازيل، خلال قمة الأمم المتحدة للبيئة والتنمية في ريو دي جانيرو، والمعروفة باسم “قمة الأرض” عام 1992، حيث وقعت 154 دولة على اتفاقية الأمم المتحدة الإطارية بشأن تغير المناخ (UNFCCC)، التي تعدّ أول اتفاق حكومي عالمي على العمل المشترك للحد من مستوى غازات الاحتباس الحراري في الغلاف الجوي وحماية المناخ، مع تحفيز أبحاث المناخ والتنمية المستدامة.
نصت الاتفاقية في مادتها السابعة على إنشاء مؤتمر للأطراف، بوصفه الهيئة العليا لهذه الاتفاقية، بهدف مراقبة التزام أطراف الاتفاقية، وتقييم أدائها، وتيسير تنسيق التدابير المعتمدة لتناول تغير المناخ وآثاره، مـع مراعاة الظروف والمسؤوليات والقدرات المختلفة للأطراف والالتزامات التي يتحملها كل طرف.
وعقد أول مؤتمر للأطراف في برلين عام 1995، برئاسة المستشارة الألمانية السابقة أنجيلا ميركل، التي كانت تشغل منصب وزيرة البيئة في بلادها آنذاك، ومنذ ذلك الحين، تجتمع البلدان كل عام في شكل مؤتمر الأطراف.
شكلت قرارات مؤتمر الأطراف على مدى ثلاثة عقود، القوانين الوطنية واستثمارات الطاقة النظيفة وبرامج المناخ في جميع أنحاء العالم، بالرغم من أن التقدم يمكن أن يكون تدريجيًا والمفاوضات معقدة، لكن يظل مؤتمر الأطراف المنصة العالمية الوحيدة التي تعمل فيها جميع البلدان معا للاستجابة لأزمة المناخ، ودفع العمل في الاتجاه الصحيح.
يمثل “كوب 30” بداية ما يقول المراقبون أنه سيكون عقدًا حاسمًا في المعركة ضد تغير المناخ
ونتج عن مؤتمر الأطراف خلال هذه العقود الثلاثة اتفاقات مهمة أبرزها بروتوكول كيوتو لعام 1997 الذي حدد أول أهداف للانبعاثات الملزمة قانونًا للبلدان الصناعية، واتفاق باريس لعام 2015 الذي نص على التزام جميع الأطراف بالحد من الاحترار العالمي إلى أقل من 2 درجة مئوية مقارنة بمستويات ما قبل الصناعة، ومواصلة الجهود لإبقائه عند حدود 1.5 درجة مئوية بحلول نهاية هذا القرن.
قضايا وتحديات
بينما يجتمع العالم في بيليم بالبرازيل لحضور مؤتمر الأمم المتحدة الثلاثين لتغير المناخ “كوب 30″، تحت عنوان لا وقت لمزيد من التفاوض حان وقت العمل، يمثّل ذلك بداية ما يقول المراقبون إنه سيكون عقدًا حاسمًا في المعركة ضد تغير المناخ.
ينعقد مؤتمر الأطراف الثلاثين بعد عامين متتاليين من ارتفاع قياسي في درجات الحرارة العالمية، واستمرار ارتفاع انبعاثات غازات الاحتباس الحراري، في الوقت نفسه، تشهد العلاقات الدولية، التي تُعدّ أساسيةً لدبلوماسية المناخ، توترًا بسبب الحروب والنزاعات التجارية واختلاف وجهات النظر حول مستقبل نظام الطاقة العالمي.
ومن خفض الانبعاثات إلى حماية الغابات، وتعزيز تمويل التكيف وأنظمة الإنذار المبكر، هناك جملة من القضايا من المتوقع أن يتناولها المندوبون في بيليم.
1. منع ظاهرة الاحتباس الحراري العالمي
على الرغم من بعض التقدم، لا تزال الجولة الأخيرة من الخطط الوطنية للمناخ أقل بكثير مما هو ضروري للحد من أسوأ آثار تغير المناخ.
يُظهر تقرير فجوة الانبعاثات لعام 2025 الصادر عن برنامج الأمم المتحدة للبيئة عشية مؤتمر الأطراف الثلاثين، بعنوان “بعيدًا عن الهدف”، أن الالتزامات الحالية تضع العالم على مسار ارتفاع في درجة الحرارة يتراوح بين 2.3 و2.5 درجة مئوية بحلول نهاية القرن، ومن المرجح جدًا أن يتجاوز العالم 1.5 درجة مئوية خلال العقد المقبل، والأولوية الآن هي إبقاء هذا التجاوز في أدنى حد ممكن.
لذا فإن أبرز الضغوط أمام “كوب 30” إظهار كيفية الحد من هذا التجاوز وتحقيق تخفيضات أعمق للانبعاثات، وخاصة في القطاعات ذات الانبعاثات العالية مثل الطاقة والصناعة والنقل.
2. حماية المجتمعات من تأثيرات المناخ
كما هو الحال مع مؤتمرات الأطراف السابقة، يركّز مؤتمر بيليم على كيفية تمكين البلدان من الاستعداد للطقس المتطرف وارتفاع مستوى سطح البحر المتوقع أن يصاحب تغير المناخ.
ستحتاج الدول الناميّة إلى أكثر من 310 مليارات دولار أمريكي سنويًا بحلول عام 2035 للتكيف مع هذه التداعيات المناخية، ولا يتوفر لها الآن سوى جزء ضئيل من هذا المبلغ، وفقًا لتقرير فجوة التكيف لعام 2025 الصادر عن برنامج الأمم المتحدة للبيئة.
يشير التقرير إلى أن كل دولار يُستثمر في أنظمة الإنذار المبكر يُمكن أن يُوفر ما يصل إلى خمسة عشر دولارًا من الخسائر المُتجنبة.
3. الوفاء بوعد بقيمة تريليون دولار
سيشكل تقرير “خارطة طريق باكو إلى بيليم”، الذي أعدته رئاستا مؤتمري المناخ التاسع والعشرين في أذربيجان والثلاثين في البرازيل، محور المناقشات في بيليم، ويحدد التقرير خارطة طريق لجمع 1.3 تريليون دولار أميركي سنويًا لتمويل الاستثمارات المناخية بحلول عام 2035، خصوصًا في البلدان النامية.
تشمل المقترحات تعزيز صناديق المناخ الستة متعددة الأطراف التي أُنشئت على مدى العقود الماضية، وتعزيز التعاون الدولي في فرض الضرائب على الأنشطة شديدة التلوث، وتحويل الديون السيادية إلى استثمارات مناخية، مما قد يُتيح ما يصل إلى 100 مليار دولار للدول النامية.
4. المساهمات المحددة وطنيًا
بموجب اتفاقية باريس، يجب على كل دولة تقديم خطة مناخية وطنية كل خمس سنوات، تسمى المساهمة المحددة وطنيًا (NDC)، وتوجه هذه الخطط سياسة المناخ المحلية وترسل إشارات طويلة الأجل إلى الشركات والمستثمرين، وهي ضرورية لانتقال مستقر وعادل.
ومن المقرر عقد الجولة التالية من المساهمات المحددة وطنيًا هذا العام، لتقييم الفجوة بين خطط اليوم وما هو مطلوب لتحقيق أهداف باريس، وما يتطلبه الأمر لسد هذه الفجوة.
وللحفاظ على الاحتباس الحراري دون 1.5 درجة مئوية، يجب خفض الانبعاثات بنسبة 60% بحلول عام 2030، ومع ذلك، فإن المساهمات الحالية لن تحقق سوى خفض بنسبة 10%.
5. ضمان انتقالات عادلة وشاملة
إن الفوائد الاقتصادية للعمل المناخي لم تكن أبدا أقوى مما هي عليه الآن: توفر مصادر الطاقة المتجددة أدنى تكلفة للكهرباء على وجه الأرض وتسمح للدول بحماية اقتصاداتها من أسواق الوقود الأحفوري المتقلبة، مع توفير فرص العمل والنمو وتحسين الصحة.
إن معالجة الملوثات المناخية قصيرة العمر مثل الميثان، ثاني أكبر مساهم في ظاهرة الاحتباس الحراري بعد ثاني أكسيد الكربون، يمكن أن تقلل من ارتفاع درجات الحرارة العالمية، وتكافح تلوث الهواء وتدعم بشكل كبير جهود إزالة الكربون بتكلفة منخفضة للغاية، وخاصة في قطاع النفط والغاز.
سيسعى مؤتمر المناخ إلى تعزيز برنامج عمل الانتقال العادل في مجال المناخ، المصمم لضمان ألا تُعمّق تدابير معالجة أزمة المناخ التفاوتات الاجتماعية، ودعوة منظمات المجتمع المدني إلى إنشاء “آلية عمل بيليم” لتنسيق تنفيذ جهود الانتقال العادل فيما يتعلق بالمناخ وتوسيع نطاق الوصول إلى التكنولوجيا والموارد المالية للدول الأضعف، ويشمل ذلك خلق فرص العمل وتدريب العمال، واستراتيجيات التنويع في التخطيط المناخي والاستثمار.
منشور في موقع ألترا صوت
























































