زاهر هاشم

تتزايد وتيرة حرائق الغابات وشدة تدميرها في جميع أنحاء العالم عامًا بعد عام، مدفوعةً بعوامل عديدة أبرزها تغّير المناخ، وما ينتج عنه من ارتفاع درجات الحرارة وزيادة معدلات الجفاف، إلى جانب العوامل البشرية المتمثلة بالتعمّد والإهمال ونقص الوعي بالتعامل مع النيران، والتحولات في استخدام الأراضي الحراجية.

ويُعدّ التنبؤ بموعد ومكان اشتعال أو انتشار حرائق الغابات تحديًا علميًا وعمليًا بالغ الأهمية، إذ تُمكّن التنبؤات الدقيقة هيئات الطوارئ إصدار التحذيرات، وتخفيف الأضرار التي تلحق بالأرواح والممتلكات وتدمّر النظم البيئية.

تقنيات التنبؤ بحرائق الغابات تتطور باستمرار، وتشمل مجالات الذكاء الاصطناعي، ونمذجة الطقس، والأقمار الصناعية، والطائرات المسيّرة، وأنظمة النمذجة

وتعتمد التنبؤات بحرائق الغابات تاريخيًا على المحاكاة الفيزيائية اعتمادًا على نمذجة البيانات الجوية والبيئية والبشرية، بهدف تقدير مكان وزمان بدء الحرائق المحتملة، والتنبؤ بسلوك الحريق وكيفية تطوره، واتجاهه، وسرعته وشدته، وتساعد بيانات الأقمار الصناعية، ووسائل الاستشعار عن بُعد في دراسة الشذوذ الحراري، ومؤشرات الغطاء النباتي الطبيعي، وتاريخ المناطق المحروقة.

تتطور تقنيات جديدة باستمرار سعيًا لتحسين القدرة على التنبؤ بحرائق الغابات، وقد شهدت مجالات الذكاء الاصطناعي، ونمذجة الطقس، والأقمار الصناعية، والطائرات المسيّرة، وأنظمة النمذجة تطورات حديثة.

الكاميرات الذكيّة

يمكن للذكاء الاصطناعي فحص الصور التي تلتقطها شبكة من الكاميرات الذكيّة الموزعة في الغابات، لتحديد المؤشرات البصرية للحريق، مثل الدخان والوميض الحراري، وبفضل التعلّم الآلي يستمر نظام الذكاء الاصطناعي بالتعلم، ما يزيد من دقته مع مرور الوقت.

وعندما ترصد كاميرا واحدة فقط حريقًا محتملًا، تُوجَّه جميع الكاميرات المحيطة بالحريق للنظر إلى نفس المكان وتقييم مستوى التهديد، وبمجرد التأكد من خطورة الحريق، يُرسَل تنبيه الحريق، الذي يتضمن نسبة اليقين والموقع المُقدَّر للحادث، إلى مركز إرسال، حيث يُرسَل رجال الإطفاء إلى الموقع.

أجهزة الاستشعار عن بعد

يُستخدم الذكاء الاصطناعي أيضًا في أجهزة استشعار عن بُعد، وتستخدم مؤشرات كيميائية للكشف عن حرائق الغابات، تُثبّت هذه الأجهزة على أعمدة، أو طائرات بدون طيار أو على الأشجار.

وبحسب نوع المستشعر المستخدم، يُمكن لأجهزة الاستشعار توفير تغطية تصل إلى 10 كيلومترات مربعة، ولا يقتصر دور هذه المستشعرات على كشف الحرارة والدخان وتغيّرات الرطوبة، بل تكتشف أيضًا وجود الغازات، ويمكن تدريب الذكاء الاصطناعي في هذه الأجهزة على التمييز بين حرائق الغابات وحرائق المخيمات أو غبار البناء، مما يُقلل من احتمالية حدوث نتائج خاطئة.

يُستخدم الذكاء الاصطناعي في أجهزة استشعار عن بُعد، وتستخدم مؤشرات كيميائية للكشف عن حرائق الغابات

وعندما يرصد النظام قراءةً كيميائيةً مُنذِرةً، يُرسِل البيانات إلى منصة سحابية مُعزَّزة بالذكاء الاصطناعي لتحديد الأنماط والشذوذ والاتجاهات، والكشف الدقيق عن الحرائق، وبعد أن يُؤكِّد النظام وقوع حريقٍ هائل، تُرسَل التنبيهات إلى فرق الاستجابة للطوارئ، أو مسؤولي المدينة، أو مُديري النظام.

طائرات بدون طيار

أتاحت التطورات التكنولوجية الحديثة لرجال الإطفاء استخدام الطائرات المسيّرة لمكافحة الحرائق من الجو، يمكن توجيه هذه الطائرات عن بُعد، مما يقلل من الأخطار الناتجة عن أخطاء الطيارين.

تجهّز طائرات مكافحة الحرائق بتقنيات متخصصة، مثل كاميرات عالية الدقة مزودة بتقنيات التصوير بالأشعة تحت الحمراء والكاميرات الحرارية، تُمكّنها من رصد حرائق الغابات على الأرض، ويمكنها استخدام هذه المعلومات لإنشاء خرائط تضاريس ذكيّة تُساعد رجال الإطفاء على التنقل بسهولة أكبر في المنطقة المتضررة، وتوفير أساليب إطفاء فعّالة لمنع انتشار الحرائق وتدميرها.

الأقمار الصناعية

استُخدمت الأقمار الصناعية ذات المدار القطبي والأقمار الصناعية الثابتة جغرافيًا للتنبؤ بحرائق الغابات، وبينما تدور الأقمار الصناعية ذات المدار القطبي حول الأرض على ارتفاعات منخفضة لجمع صور مفصلة لتهديدات الدخان والحرائق عدة مرات على مدار اليوم، فيما تدور الأقمار الصناعية الثابتة جغرافيًا على ارتفاعات أعلى.

يستخدم كل نوع من أنظمة الأقمار الصناعية لتتبع ومراقبة حرائق الغابات أثناء جمع المعلومات حول موقع وحجم ودرجة حرارة ومدة كل تهديد محتمل.
يمكن لصور الأقمار الصناعية، عند دمجها مع قياسات الطقس، أن تلعب دورًا حيويًا في تحديد المناطق المعرضة لخطر الاشتعال والانتشار، ومع ذلك، فإن دقة هذه التوقعات مقيدة بالدقة المكانية للتنبؤات الجوية، إلى جانب تكرار الزيارات وتغطية أجهزة استشعار الأقمار الصناعية.

ونتيجة لذلك، غالبًا ما تُستخدم الطائرات بدون طيار لمراقبة الحرائق بدقة عالية، في حين أن الأقمار الصناعية أكثر ملاءمة للتنبؤات الأوسع ومتعددة الأيام عبر مناطق جغرافية كبيرة.

الذكاء الاصطناعي يدعم أنظمة الأقمار الصناعية

طوّر باحثون في جامعة جنوب كاليفورنيا طريقة جديدة للتنبؤ الدقيق بانتشار حرائق الغابات، ومن خلال الجمع بين صور الأقمار الصناعية والذكاء الاصطناعي، يُمثّل نموذجهم نقلة نوعية في إدارة حرائق الغابات والاستجابة للطوارئ.

يستخدم نموذج جامعة جنوب كاليفورنيا كما هو مفصل في دراسة سابقة نشرت في مجلة الذكاء الإصطناعي لأنظمة الأرض، بيانات الأقمار الصناعية لتتبع تقدم حرائق الغابات في الوقت الحقيقي، ثم يقوم بإدخال هذه المعلومات في خوارزمية كمبيوتر متطورة يمكنها التنبؤ بدقة بالمسار المحتمل للحريق وكثافته ومعدل نموه.

طورت مجموعة من العلماء أداة جديدة لتحسين التنبؤ بحرائق الغابات باستخدام التعلم الآلي

بدأ الباحثون بجمع بيانات حرائق الغابات التاريخية من صور أقمار صناعية عالية الدقة، ومن خلال الدراسة الدقيقة لسلوك حرائق الغابات السابقة، تمكنوا من تتبع كيفية بدء كل حريق وانتشاره واحتوائه، وكشف تحليلهم الشامل عن أنماط تتأثر بعوامل مختلفة، مثل الطقس والمواد القابلة للاشتعال والتضاريس، ثم قاموا بتدريب نموذج حاسوبي توليدي مُدعّم بالذكاء الاصطناعي لمحاكاة كيفية تأثير هذه العوامل على تطور حرائق الغابات مع مرور الوقت، واختبر العلماء هذا النموذج على حرائق غابات حقيقية حدثت في كاليفورنيا بين عامي 2020 و 2022 لمعرفة مدى قدرته على التنبؤ بمكان انتشار الحريق.

التنبؤ باستخدام التعلم الآلي

فتحت التطورات في مجال التعلم الآلي (ML) إمكانيات جديدة في التنبؤ بالطقس في السنوات الأخيرة، تُمكّن قدرة هذه الأساليب على استخراج المعلومات من الانتقال من التنبؤ بخطر اشتعال الحرائق، إلى التنبؤ بنشاطها، ويتضمن مصادر بيانات متعددة تتجاوز التنبؤ بالطقس لتحديد المناطق المعرضة لخطر الاشتعال.

وطورت مجموعة من العلماء أداة جديدة لتحسين التنبؤ بحرائق الغابات باستخدام التعلم الآلي، موضحة في ورقة بحثية نُشرت في 1 نيسان/أبريل 2025 في مجلة “نيتشر”، وتتناول هذه الورقة كيف يمكن لجمع البيانات ذات الجودة العالية ودمجها أن يحسن بشكل كبير من دقة وموثوقية التنبؤات بحرائق الغابات.

ومن خلال دمج معايير إضافية، مثل الوجود البشري، ونشاط الصواعق، ووفرة الغطاء النباتي وجفافه، يُمكن تحديد مخاطر الحرائق بدقة أكبر، وتحسين قدرة النموذج على التنبؤ بنسبة تصل إلى 30%.

تستخدم نماذج التعلم الآلي خوارزميات تعتمد على البيانات لتعلم الأنماط والقواعد من بيانات التدريب وتطبيقها على البيانات الجديدة، ويمكنها معالجة المشكلات المعقدة وغير الخطية والتكيف مع الظروف المتغيرة، كما يمكنها دمج أنواع مختلفة من البيانات، مثل الصور ومقاطع الفيديو والنصوص وأجهزة الاستشعار.

منشور في ألترا صوت

اترك تعليقاً

الرجاء إدخال تعليقك!
الرجاء إدخال الاسم هنا