زاهر هاشم

نعيش اليوم في عالم شديد التأثر بالمناخ، مع حرائق غابات حطمت أرقامًا قياسية، وفيضانات كارثية، وموجات حر لا تطاق في جميع أرجاء الكوكب.

ووفقًا لـتحديث حالة المناخ العالمي الأخير الصادر عن المنظمة العالمية للأرصاد الجوية، فإن عام 2025 يتجه إلى أن يكون ثاني أو ثالث الأعوام الأعلى حرارة على الإطلاق منذ بدء تسجيل درجات الحرارة قبل 176 عامًا.

يُشير تغيّر المناخ إلى التغيرات طويلة الأمد في درجات الحرارة العالمية، وأنماط الطقس، والأنظمة الطبيعية، والتي تُعزى بشكل كبير إلى الأنشطة البشرية، مثل حرق الوقود الأحفوري، وإزالة الغابات، والتلوث الصناعي.

تُطلق هذه الأنشطة غازات الدفيئة – خاصةً ثاني أكسيد الكربون والميثان – في الغلاف الجوي، مما يُسبب احتباسًا حراريًا وارتفاعًا في درجة حرارة الأرض.

وتشمل العواقب ارتفاع منسوب مياه البحار، وموجات الحر المتكررة، والظواهر الجوية المتطرفة، والجفاف، والفيضانات، واضطراب النظم البيئية والزراعة.

العدالة الغائبة

يؤثر تغّير المناخ على جميع دول العالم، إلا أنه لا يؤثر عليهم بالتساوي، إذ لطالما ساهمت الدول الصناعية الغنية تاريخيًا بأكبر قدر من انبعاثات غازات الدفيئة على مدار قرون من التصنيع، وفي الوقت نفسه، غالبًا ما تكون البلدان النامية في مناطق مثل أفريقيا وجنوب آسيا وأمريكا اللاتينية، والتي كانت الأقل مساهمة في المشكلة، الأكثر تضررًا من آثارها.

يؤثر تغّير المناخ على جميع دول العالم، إلا أنه لا يؤثر عليهم بالتساوي

تواجه هذه المناطق موجات جفاف شديد، وانعدامًا للأمن الغذائي، وارتفاعًا في منسوب مياه البحار، ونزوحًا، ومع ذلك، لديها موارد أقل للتكيف أو التعافي.

وتعني العدالة المناخية الاعتراف بأن من يُسهمون في أقل قدر من انبعاثات الكربون هم من يدفعون الثمن الأكبر، كما تعني تحميل الدول والشركات والأفراد الذين يُسببون أزمة المناخ مسؤولية هذه الأزمة. تقود المجتمعات والمنظمات المهمشة حول العالم، جهودًا لحماية نفسها من الآثار المتصاعدة لتغير المناخ.

العدالة المناخية والتمويل

ترتبط العدالة المناخية والتمويل بشكل وثيق، إذ إن معالجة تغير المناخ بشكل عادل وفعال لا تتطلب فقط اتخاذ إجراءات بيئية، بل تتطلب أيضًا المسؤولية المالية والإنصاف.

ويسعى تمويل المناخ إلى تصحيح الخلل والتعامل مع آثار تغير المناخ بشكل منصف وعادل، من خلال توفير التمويل اللازم لمساعدة الدول المعرضة للخطر على التكيف مع آثار تغير المناخ والتخفيف منها.

يشير تمويل المناخ إلى تدفق الأموال من الدول المتقدمة إلى الدول النامية لدعم إجراءات التخفيف التي تُقلل الانبعاثات، وتُساعد المجتمعات على مواجهة آثار المناخ والتكيف معها، عبر الاستثمارات في الطاقة المتجددة، وإعادة التشجير، والحماية من الفيضانات، والزراعة المستدامة، وأنظمة الإنذار المبكر بالكوارث.

تتطلب العدالة المناخية أن تتحمل الدول والشركات الأكثر مسؤولية عن تغير المناخ المسؤولية الأخلاقية والمالية عن أفعالها، ويشمل ذلك الوفاء بالالتزامات الدولية، مثل تعهد 100 مليار دولار سنويًا الذي قُطع في مؤتمر كوبنهاغن الخامس عشر للمناخ عام 2009، وأُعيد تأكيده في اتفاق باريس عام 2015، حيث وعدت الدول المتقدمة بدعم الدول النامية في جهودها المناخية.

لكن هذا الهدف لم يتحقق بالكامل في كثير من الأحيان، مما أدى إلى تزايد الإحباط لدى الدول التي تواجه بالفعل آثارًا مدمرة.

البداية من كوبنهاغن

وخلال قمة المناخ في كوبنهاغن عام 2009 أو COP15، التزمت وزيرة الخارجية الأميركية آنذاك هيلاري كلينتون، نيابة عن الدول المتقدمة، بتقديم 100 مليار دولار سنويًا في شكل تمويل المناخي بحلول عام 2020 لمساعدة البلدان النامية على التعامل مع آثار تغير المناخ.

وحتى الآن، استهدف معظم التمويل المقدم للبلدان النامية مساعدتها على التحكم في الانبعاثات، لكن هذا الإدراك الجديد بأن تغير المناخ يحدث بالفعل، وأن العالم يواجه حالة احترار كبير غير مسبوق، يتطلب مزيدًا من الدعم للمساعدة في جعل المجتمعات أكثر مرونة في مواجهة تلك الآثار.

وكجزء من اتفاقية المناخ في كوبنهاغن، حاول الخبراء حساب ما يمكن أن يكلف تلك البلدان الغنية لتمويل التخفيف من آثار المناخ والتكيف معه في العالم النامي، واعتبر البعض أن التكلفة تصل إلى 400 مليار دولار سنويًا، فكان المبلغ المتفق عليه كحل توافقي بين الدول هو 100 مليار دولار.

البلدان النامية تشعر بخيبة أمل

وابتداء من عام 2013، حاولت البلدان المانحة زيادة المساهمات كل عام، على أمل الوصول إلى 100 مليار دولار بحلول عام 2020، ومع ذلك، لم يتم الوفاء بهذا الوعد في الأجل المحدد.

رغم فشل الدول الغنية باستمرار في الوفاء بهذا الالتزام التمويلي، إذ حشدت في عام 2020 ما مجموعه 83 مليار دولار فقط من أصل 100 مليار دولار الموعودة، وفقًا لمنظمة التعاون الاقتصادي والتنمية، لكنها حشدت 115.9 مليار دولار أمريكي من التمويل المناخي للبلدان النامية في عام 2022، متجاوزة الهدف السنوي البالغ 100 مليار دولار لأول مرة ووصلت إلى مستوى لم يكن متوقعًا قبل عام 2025.

أنفق الملياردير الأميركي جيف بيزوس على شراء وتشغيل يخته الفاخرة مبلغ 635 مليون دولار، وهو أكثر مما أنفقته صناديق المناخ متعددة الأطراف على الانتقال العادل عبر جنوب الكرة الأرضية

لكن الكثيرين من شعوب جنوب الكرة الأرضية شعروا بخيبة أمل من الأهداف المالية النهائية لمؤتمر الأطراف نظرًا لأن المبالغ المطلوبة لهم لمعالجة تغير المناخ بحلول عام 2035 تقدر بأكثر من 1 تريليون دولار سنويًا.

المساعدات لاتصل

يشير تقرير جديد إلى أن أقل من 3% من المساعدات الدولية لخفض انبعاثات الكربون تدعم الانتقال العادل للعمال والمجتمعات بعيدًا عن الصناعات الملوثة.

وصدر التقرير قبل أسبوع واحد من بدء مفاوضات الأمم المتحدة الكبرى بشأن المناخ في بيليم بالبرازيل، ويحذر التحليل الصادر من منظمة “أكشن إيد” غير الربحية للمناخ والتنمية من أن استجابة العالم لأزمة المناخ تهدد بتعميق عدم المساواة بدلاً من معالجتها.

حلل مؤلفو التقرير المعلومات المتاحة للجمهور حول كل مشروع معتمد يركز على التخفيف من آثار الكربون يتم تمويله من قبل صندوقي المناخ الرئيسيين متعددي الأطراف في العالم: 178 مشروعًا من صندوق المناخ الأخضر المدعوم من الأمم المتحدة، و466 مشروعًا من صناديق الاستثمار في المناخ، التي أنشأها البنك الدولي وبنوك التنمية الإقليمية.

ووجد الباحثون أن 2.8% من التمويل المناخي متعدد الأطراف خصص للتخفيف من أجل دعم التحولات العادلة بما يعادل 630 مليون دولار فقط على مدى أكثر من عقد من الزمان، ويعني هذا أنه تم إنفاق دولار واحد فقط من كل 35 لدعم التحولات العادلة.

يشير التقرير إلى أن الملياردير جيف بيزوس أنفق على شراء وتشغيل يخته الفاخرة مبلغ 635 مليون دولار أميركي، وهو أكثر مما أنفقته صناديق المناخ متعددة الأطراف على الانتقال العادل عبر جنوب الكرة الأرضية.

منشور في ألترا صوت

اترك تعليقاً

الرجاء إدخال تعليقك!
الرجاء إدخال الاسم هنا