* محمد علي الدين حافظ

برقصته الشهيرة وتعليقاته الساخرة، أعلنها دونالد ترامب بوضوح في حفل تنصيبه بفترة رئاسته الثانية بتصريحه الشهير: “احفر يا عزيزي، احفر”، معلنا عن حقبة جديدة للاقتصاد الأسود والتوسع في التنقيب عن الطاقة الأحفورية ورفع انتاج الفحم الحجري بعكس ما تحاوله الجهود العالمية للحد من الاعتماد على الوقود الأحفوري وما يسببه من انبعاثات الغازات الدفيئة، وتأكيداً على وعوده القديمة بالتحرر من أي التزامات مناخية، فيما يشكل انتكاسة كبرى للجهود المناخية العالمية البطيئة أصلاً.

الهيمنة أولاً والربح فوق الجميع

لا يمثل ترامب النخبة الرأسمالية الجشعة فحسب، بل يمثل تياراً شعبوياً يحمل أيديولوجية أوهام السيطرة الامبراطورية كما قالها بنفسه في تصريح سابق، بأن تلك القوانين والاعتبارات البيئية ليست سوى قيود تهدد الهيمنة الأمريكية في مجال الطاقة والاقتصاد العالمي ومن ثم تهديد لعرش السيطرة الأمريكية، وتهديد للشركات الأمريكية الكبرى كما يزعم.

وترامب منذ ولايته الأولى وهو في حالة عداء متصاعد وصدام دائم مع كل ما له علاقة بالبيئة والمناخ، ليس أقلها خطراً إعلانه انسحاب الولايات المتحدة من “اتفاقية باريس للمناخ” التي تهدف الى خفض انبعاثات الغازات الدفيئة والحد من ارتفاع حرارة الأرض إلى أقل من درتين مئويتين ومحاولة الإبقاء عليه عند 1.5 درجة كحد أقصى، ولكن ترامب ومن معه اختاروا السير عكس الاتجاه العالمي للمرة الثانية وإلغاء توقيع الولايات المتحدة على الاتفاقية، والتنصل من كل الالتزامات المتعلقة بحماية البيئة والمناخ العالمي بشكل أثار حفيظة دول العالم والمنظمات الدولية فيما وصفته كريستا فيغريس الرئيسة السابقة لهيئة الأمم المتحدة لمكافحة التغير المناخي بقولها :” إنها ضربة قوية للتحرك المناخي العالمي”، بل وصل الأمر أنه اتهم في تصريح سابق علماء المناخ بأن “لديهم أجندة سياسية”.

العداء مع العلم.. اقصاء وتهميش

نتج عن التزاوج بين العقلية الرأسمالية “الترامبية” مع اليمين الشعبوي تيار عدائي لكل ما هو علمي فيما يخص جهود حماية البيئة والمناخ في الداخل الأمريكي وفي السياق الدولي، فترامب يرى أن علماء البيئة والمناخ والمؤسسات العلمية تشكل تهديداً لسياساته، فقرر بدأ معركته مع العلم والعلماء.

قام باتخاذ عدة قرارات تنفيذية تبدأ الحرب على البيئة بحجب المعلومات، فقرر عقب فوزه بولايته الثانية وقف العمل على تقرير تقييم المناخ الوطني – وهي مبادرة اتخذتها الحكومة الفيدرالية عام 2014 لدراسة أثر تغير المناخ على الولايات المتحدة الآن وفي المستقبل – وهو تصعيد خطير من قبل ترامب وفريقه، يشكل تكميماً للأفواه وعدم الشفافية وحجب للمعلومات والتي هي حق للجميع، ولم يكتف بذلك، بل قام بوقف تمويل العديد من الهيئات البحثية المتخصصة في شؤون البيئة ومنها معهد الأبحاث في جامعة برينستون المتخصص في أبحاث تغير المناخ، وقام بتخفيض عدد العاملين في قطاعات ووكالات بيئية عدة وتعيين عدد من المعادين للعمل البيئي.

لم يكن استهداف ترامب للمؤسسات البيئية العلمية والعاملين فيها سوى عداء ممنهج للعلم والعلماء، وبلغ به العداء إلى محاولات اعتماد أجندة تفكيك لوكالات بيئية كبرى كانت تقود أبحاث البيئة والمناخ ليس في الداخل الأمريكي فقط بل في العالم كله لعقود عدة وعلى رأسها مؤسسة “NOAA” وهي الوكالة الوطنية لأبحاث المحيطات والغلاف الجوي ومعها الوكالة الفيدرالية لإدارة الطوارئ، وكل منهما تؤدي دوراً حيوياً في ادارة الكوارث والبحوث المتعلقة بالبيئة والمناخ.

ولم يقف عند ذلك الحد، بل وصل الأمر بالإدارة الأمريكية إلى إجبار ناسا على إعلان أنها لن تنشر مستقبلاً تقريرها الدوري “التقييمات الوطنية للمناخ” وهو تقرير فيه تفصيلات خاصة بالقياسات والتأثيرات الخاصة بالتغير المناخي في أنحاء الولايات المتحدة، وهي جهود خطيرة تهدف إلى نسف الأساس العلمي والقانوني لأسباب التغير المناخي والمسؤولية البشرية وخاصة مسؤولية الدول الصناعية الكبرى وعلى رأسها بالطبع أميركا .

حق المعلومة.. انتفاضة الوسط العلمي

لم تمر تلك الإجراءات الكارثية التي اتخذها ترامب مرور الكرام، بل أثارت زوبعة إعلامية كبرى، وأغضبت العلماء والجهات البحثية بشدة مما أدخلهم في صراع مباشر معه، فها هو جون هولدرن مستشار العلوم السابق في البيت الأبيض يتهم ترامب بالكذب والتضليل قائلا : “إن ترامب لا يريد أن يعرف الناس، وكان ينوي منذ فترة طويلة فرض الرقابة على التقارير أو دفنها”، ووصف ما تقوم به الإدارة المتطرفة بـ “التضليل المناخي” قائلاً :”انهم ببساطة لا يريدون أن يرى الجمهور المعلومات المجمعة بعناية والمثبتة علمياً حول ما يفعله المناخ بالفعل بمزارعنا وغاباتنا، فضلاً عن العواصف والفيضانات وحرائق الغابات”.

ولم يقف الأمر عند الرفض الداخلي بل امتدت الصدمة إلى الشركاء الأوروبيين الذين كانوا يعتمدون في أنشطتهم البحثية على المؤسسات العلمية الأمريكية وهو أمر دفع بتصريح عدد من كبار المتخصصين والعلماء في أوروبا الى فك الارتباط “المناخي المعلوماتي” بين أوروبا وأمريكا والسعي نحو الاستقلالية البحثية، وهو أمر ينسف جهود عقود من البحث والقياسات والعمل المناخي المشترك الذي يخدم قضايا الإصلاح البيئي والمناخي لأجل البشرية.

نهج عدواني وعودة الى الوراء

ولكن ماذا بعد التضليل المناخي والقرارات الكارثية بحجب المعلومات ؟! هنا تأتي قرارات ترامبية أكثر كارثية ودماراً للبيئة المحلية والعالمية، فبعد إيقاف العديد من التقارير التي تصف الوضع البيئي ووقف تنفيذ العديد من الشروط البيئية على الأنشطة الصناعية، أطلق ترامب العنان لشركائه الرأسماليين لينقبوا كما يحلو لهم، فقام بإلغاء قواعد الإفصاح المناخي للشركات وهو أمر خطير يدفع لعدم الشفافية والتورط في تلوث وانبعاثات هائلة مع ضمان عدم المساءلة أو المحاسبة.
وتتابعت قراراته بلا توقف، فأصدر توجيه رئاسي يدعو إلى زيادة إنتاج الفحم بلا ضابط وهو قرار يمثل انتكاسة لكل جهود خفض الاعتماد على الوقود الأحفوري، وينذر بمعدل انبعاثات كارثية تفوق التوقع، والساخر في الأمر هو تعليق ترامب على قراره بأنه “إحياء صناعة الفحم الكبيرة والجميلة”، فقام بإعادة فتح مناجم الفحم، وأمر بتوسيع التنقيب عن الوقود الأحفوري في كل مكان، منها مواقع تعتبر حدائق وطنية ومحميات طبيعية وهو أمر يهدد بإبادة للتنوع البيولوجي في مناطق هي أصلاً مهددة بفقدان ذلك التنوع، وامتد قرار التنقيب إلى أعماق البحار بل إلى أقصى القطب الشمالي رغم الاتفاقيات الدولية والمخاطر التي ستدمر أنظمة بيئية بأكملها، إنه مهووس بالربح ثم الربح ولا شئ وراء ذلك.

الحصاد المر

لن تخسر أمريكا وحدها بتلك الإجراءات المعادية للبيئة بل سنحسر جميعاً، فالكوكب بأكمله مترابط وما تفعله الولايات المتحدة بالهواء والتربة والماء سيصل للجميع بلا استثناء، فترامب وكل عقلية “شعبوية” تشكل خطراً وتهديداً لمستقبلنا ومستقبل أبنائنا وحقهم في بيئة آمنة وحياة مستقرة، فذلك النهج الترامبي لا يعود بنا فقط إلى الوراء حيث اقتصاد “النفط الأسود” بل إنه حتى يدمر فرص التحول الأخضر والمستدام وفرصة بناء اقتصاد بديل يزداد قوة وتوسع ولا يخسر البيئة في ذات الوقت، وهو ما صرح به سيمون ستيل رئيس برنامج الأمم المتحدة للمناخ:” إن الولايات المتحدة تخاطر بفرصة عالمية في قطاع الطاقة النظيفة يضمن أرباحا كبرى وملايين الوظائف ويحفظ هواءنا نقياً”، وهو أمر لا يريد أن يدركه ترامب ومن معه من رسل الدمار البيئي، إنه حالة مرعبة ستظل علامة في تاريخ النكسات الدولية الخاصة بحماية البيئة والمناخ من إفساد وتدمير البشر.


* كاتب ومدون مصري مهتم بقضايا العلوم والتكنولوجيا والبيئة

أخبار البيئة

الآراء الواردة من قراء موقع أخبار البيئة هي أراؤهم الشخصية، لا تمثل بالضرورة رأي الموقع

اترك تعليقاً

الرجاء إدخال تعليقك!
الرجاء إدخال الاسم هنا