زاهر هاشم

تتعرّض أحواض ومصارف الكربون الطبيعية على كوكب الأرض إلى مخاطر كبيرة تهدد بانتكاسة عالمية في تحقيق أهداف المناخ، مع تراجع قدرتها على امتصاص الانبعاثات إلى مستويات حرجة نتيجة تغير المناخ على مدى عقود من الزمن.

وتعرّف مصارف الكربون بأنها أنظمة طبيعية تمتص وتخزّن كمية من ثاني أكسيد الكربون من الغلاف الجوي، تفوق الكمية التي تطلقها، وتلعب دورًا حاسمًا في التقليل من أهم غازات الدفيئة وإبطاء ظاهرة الاحتباس الحراري.

كيف تعمل أحواض الكربون؟

الكربون هو أساس الحياة على الأرض، وهو ضروري لتكوين جزيئات معقدة كالبروتينات والحمض النووي، ويوجد هذا العنصر أيضًا في الغلاف الجوي على شكل ثاني أكسيد الكربون (CO2).

يُخزَّن معظم الكربون على الأرض في الصخور والرواسب، بينما يتواجد الباقي في المحيطات والغلاف الجوي والكائنات الحية

ولأن كوكبنا وغلافه الجوي يشكلان بيئة مغلقة، فإن كمية الكربون في هذا النظام لا تتغير، بل يتغير موقع الكربون باستمرار بين الغلاف الجوي والأرض، وتُعرف هذه الدورة بدورة الكربون، وهي عملية متوازنة تمامًا منذ آلاف السنين.

يُخزَّن معظم الكربون على الأرض في الصخور والرواسب، بينما يتواجد الباقي في المحيطات والغلاف الجوي والكائنات الحية، ويتم إطلاق الكربون مرة أخرى إلى الغلاف الجوي عندما تموت الكائنات الحية، وتنفجر البراكين، وتشتعل الحرائق، ويحترق الوقود الأحفوري، ومن خلال مجموعة متنوعة من الآليات الأخرى.

لكن النشاط البشري المتزايد منذ عصر الصناعة، أخلّ بهذا التوازن، حيث يطلق البشر كميات من الكربون في الغلاف الجوي تفوق قدرة أحواض الكربون الطبيعية على امتصاصها، بسبب الاعتماد المستمر على الوقود الأحفوري كمصدر للطاقة، ما يعني إطلاق مليارات الأطنان من الكربون في الغلاف الجوي سنويًا.

ما أهم مصارف الكربون؟

تشمل مصارف الكربون الرئيسية المحيطات والغابات والتربة.

– المحيطات: تلعب المحيطات دورًا كبيرًا في امتصاص ثاني أكسيد الكربون مباشرةً من الهواء عبر تبادل الغازات على السطح.

يعود الفضل في ذلك إلى الكائنات الدقيقة، مثل العوالق النباتية، التي تتنفس الكربون وتُنتج المزيد من الأكسجين، وتلعب الطحالب والبكتيريا البحرية المجهرية دورًا كبيرًا في دورة الكربون العالمية، إذ تمتصّ كميةً من الكربون تعادل تقريبًا ما تمتصه جميع النباتات والأشجار على اليابسة مجتمعةً، بينما تحبس الكائنات المُتكلسة، مثل المرجان والمحاريات، الكربون في أصدافها وهياكلها العظمية.

الغابات: تتنفس الأشجار ثاني أكسيد الكربون أثناء عملية التمثيل الضوئي، وتخزنه في جذوعها وأغصانها وجذورها وتربتها.

تمتص الغابات ما يقرب من 16 مليار طن من ثاني أكسيد الكربون سنويًا، وتحتفظ حاليًا بـ 861 غيغا طن من الكربون في أغصانها وأوراقها وجذورها وتربتها، وهذا يجعلها مصدرًا عالميًا قيّمًا لامتصاص الكربون.

التربة: يُقدّر العلماء أن تربة الأرض تحتوي على 2500 مليار طن من الكربون، أي ما يعادل ثلاثة أضعاف ما يحتويه الغلاف الجوي، وأربعة أضعاف ما تحتويه النباتات والحيوانات.

يُخزَّن معظم كربون التربة على شكل تربة صقيعية في مناطق القطب الشمالي، وفي المناطق الرطبة، أما التربة في المناطق الحارة أو الجافة، فتخزِّن كميات أقل من الكربون.

تغطي الأراضي الخثية الرطبة 3% فقط من مساحة اليابسة، إلا أنها تختزن نحو 30% من كربون التربة في العالم، إذ تُبطئ بيئاتها المشبعة بالمياه عملية التحلل، مما يُبقي الكربون مُخزّنًا لقرون أو حتى آلاف السنين.

مصارف الكربون في خطر

حذرت مجموعة من العلماء من أن أحواض الكربون العالمية على كوكب الأرض قد وصلت مرحلة حرجة، إذ أدت التغيرات المناخية المتسارعة إلى إضعاف قدرة هذه المصارف الطبيعية على امتصاص الانبعاثات الكربونية المتزايدة، ما يشكل خللًا في دورة الكربون، ويهدد بتقويض أهداف العمل المناخي العالمي، التي قد تواجه الآن انتكاسات كبيرة.

ويُظهر تقرير “10 رؤى جديدة في علوم المناخ”، الذي أطلقه أكثر من 70 عالمًا من 21 دولة، تزامنًا مع انعقاد مؤتمر المناخ العالمي كوب 30 في البرازيل، أن ضعف أحواض الكربون الأرضية، وخاصة الغابات والتربة في نصف الكرة الشمالي، يهدد بعرقلة تراجع الانبعاثات الحالية مع تسريع ظاهرة الاحتباس الحراري العالمي.

كما يشير التقرير إلى تراجع قدرة المحيطات على امتصاص ثاني أكسيد الكربون، في حين تعمل موجات الحر البحرية الأكثر تواتراً وشدة على تدمير النظم البيئية وسبل العيش الساحلية.

وعلى الرغم من الجهود العالمية المبذولة لإعادة التشجير بهدف الإزالة الطبيعية للكربون، يشير التقرير إلى أن نشر آليات الإزالة القائمة على الطبيعة على نطاق واسع قد يأتي على حساب الأمن الغذائي والتنوع البيولوجي، إذ تنافس هذه المشاريع على مساحة الأراضي المخصصة للزراعة والاستخدامات الطبيعية الأخرى.

ويؤكد العلماء أن التوقعات بشأن إزالة الكربون من مصادر طبيعية تتجاوز بكثير ما يمكن أن توفره المشاريع الحالية والمصارف الطبيعية، ما يبرز الحاجة إلى عمليات إزالة جديدة تعتمد على التكنولوجيا، مثل تقنيات احتجاز الكربون وتخزينه، إلى جانب خفض الانبعاثات بشكل كبير لتصحيح المسار.

تراجع تقدرة المحيطات على امتصاص ثاني أكسيد الكربون، في حين تعمل موجات الحر البحرية الأكثر تواترًا وشدة على تدمير النظم البيئية

ويمكن لأسواق أرصدة الكربون الطوعية، أن تشكل إطارًا لمشاريع إزالة الكربون، حيث يتم إنشاء أرصدة الكربون من خلال الأنشطة التي تقلل أو تزيل انبعاثات الغازات المسببة للاحتباس الحراري، مثل حماية الغابات، واستعادة الأراضي الرطبة، والتحول إلى الطاقة المتجددة أو تحسين كفاءة الطاقة في المباني والصناعات.

ويُمكن للحكومات والشركات، وحتى الأفراد، شراء هذه الأرصدة لتعويض انبعاثاتهم، لكن التقرير يشير إلى عقبات قائمة في أسواق الكربون تتعلق بالمصداقية، والحاجة إلى معايير ومقاييس سوقية أقوى لضمان النزاهة.

ويُعدّ تقرير 10″رؤى جديدة”، مبادرة مشتركة بين منظمة فيوتشر إيرث، ومنظمة إيرث ليغ، وبرنامج أبحاث المناخ العالمي، ويصدر سنويًا لرصد خلاصة التطورات في علم المناخ في عشر رؤى موجزة، ليكون بمثابة مورد موثوق لصناع السياسات.

وتتناول رؤى التقرير هذا العام، العوامل التي ساهمت في ارتفاع درجات الحرارة بشكل قياسي في عامي 2023 و2024، وأثر ارتفاع درجة حرارة المحيطات بشكل متسارع على النظم البيئية وزيادة مخاطر الطقس المتطرفة، وتراجع المياه الجوفية، وتفشي الأمراض المرتبطة بالمناخ، وما تتعرض له أحواض الكربون الأرضية في جميع أنحاء العالم من ضغوط متزايدة مع استمرار ارتفاع درجة حرارة الكوكب.

منشور في ألترا صوت

اترك تعليقاً

الرجاء إدخال تعليقك!
الرجاء إدخال الاسم هنا