زاهر هاشم
تشير أحدث تقديرات الطاقة أن العالم يتجه بثبات نحو توسيع اعتماده على النفط والغاز، في مسار يناقض تمامًا الخطابات الدولية عن التحوّل الأخضر.
فبينما تتحدث الحكومات وخبراء المناخ في مؤتمرات تتكرر كل عام عن مستقبل منخفض الكربون، تثبت الأرقام أن الوقود الأحفوري يعزز موقعه، مدفوعًا بنمو اقتصادي لا يترك مجالًا لهبوط الطلب.
يسلّط هذا التناقض بين الخطاب الرسمي والواقع العملي الضوء على فجوة تتسع عامًا بعد آخر بين أهداف اتفاق باريس ومسار الطاقة العالمي الفعلي.
بينما تتحدث الحكومات وخبراء المناخ في مؤتمرات تتكرر كل عام عن مستقبل منخفض الكربون، تثبت الأرقام أن الوقود الأحفوري يعزز موقعه
ويُظهر تقرير الآفاق العالمية للطاقة للعام 2025 الصادر عن وكالة الطاقة الدولية، أن الطلب على النفط والغاز قد يستمر في الارتفاع حتى منتصف القرن إذا لم تُعتمد سياسات أكثر صرامة، فالصناعات الثقيلة، وسلاسل الإمداد العالمية، وقطاع النقل الجوي والبحري، إضافة إلى النمو الاقتصادي في آسيا وأفريقيا، عوامل تدفع إلى زيادة استهلاك الطاقة التقليدية.
مسارات مختلفة
يقدم سيناريو السياسات المعلنة وسيناريو السياسات الحاليّة، وجهتي نظر حول كيفية تطور نظام الطاقة، بناءً على افتراضات مختلفة تتعلق بالسياسات والتقنيات الحالية.
ويتوقع كلا السيناريوهين استمرار ارتفاع الطلب على الطاقة حتى عام 2050، وإن بسرعات مختلفة، حيث تقود الأسواق الناشئة والاقتصادات النامية هذه الزيادة، بقيادة الهند وجنوب شرق آسيا.
وتنعكس الاختلافات في وتيرة إدخال التقنيات الجديدة في نظام الطاقة في مسارات الوقود الأحفوري، ففي نموذج السياسات الحالية، يستمر الطلب على النفط والغاز الطبيعي في النمو حتى منتصف القرن، على الرغم من أن الفحم سينخفض قبل عام 2030، أما في نموذج السياسات المعلنة، فيبلغ استخدام الفحم ذروته في وقت أبكر مما هو عليه ويستقر الطلب على النفط بنهاية العقد، إلا أن الطلب على الغاز الطبيعي يستمر في النمو حتى ثلاثينيات القرن الحالي.
إن استمرار الاعتماد على الوقود الأحفوري بهذه الوتيرة يعني ببساطة أن العالم يسير نحو مستقبل أكثر سخونة واضطرابًا، وأن كل عام يمرّ دون قرارات حاسمة يجعل كلفة المواجهة أعلى والخيارات أقل.
من جهة أخرى، تعجز التقنيات النظيفة حتى اللحظة عن سد الفجوة، فالهيدروجين الأخضر لا يزال مكلفاً وبطيء الانتشار، والوقود المستدام للطيران لا يغطي سوى نسبة ضئيلة من الطلب العالمي، وتقنيات احتجاز الكربون وتخزينه لم تصل بعد إلى مستوى النطاق المطلوب لخفض الانبعاثات بطريقة مؤثرة.
وحتى في الدول التي تستثمر بكثافة في الطاقة المتجددة، مثل أوروبا، يبقى الغاز الطبيعي خيارًا ضروريًا للحفاظ على استقرار الشبكات الكهربائية في ظل تقلبات مصادر الطاقة المتجددة.
ورغم التطور الكبير في تقنيات الطاقة الشمسية والرياح، فإن عدم قدرة الشبكات الكهربائية في الدول النامية على استيعاب توسع الإنتاج يعمّق الاعتماد على الغاز والفحم في بعض الحالات.
أمام هذا الواقع، يبدو العالم أمام مسارين متوازيين لا يلتقيان:
- مسار اقتصادي يدفع نحو مزيد من التوسع في إنتاج واستهلاك النفط والغاز لتلبية النمو المتسارع.
- ومسار مناخي يدعو إلى خفض سريع للانبعاثات لتفادي تجاوز النقطة التي قد يصبح فيها الاحترار خارج السيطرة.
ومع كل عام يمر، تتقلص الفترة الزمنية لتحقيق توازن بين المسارين، فالتحذيرات العلمية تتزايد، والانبعاثات ترتفع، والتغيرات المناخية أصبحت محسوسة أكثر من أي وقت مضى.
تكلفة التحول الطاقي
تؤكد التقارير العلميّة المنشورة عن الهيئة الحكومية الدولية المعنية بتغير المناخ (IPCC) أن العالم يحتاج إلى خفض الانبعاثات بسرعة تفوق 40% خلال أقل من عقد من الزمن إذا كان يريد الحفاظ على مسار 1.5 درجة مئوية.
لكن الوقائع الحالية تشير إلى مسار معاكس، إذ ترتفع الانبعاثات العالمية مدفوعة بالاستثمارات المتزايدة في مشروعات جديدة للنفط والغاز، خصوصًا في شرق المتوسط وأفريقيا وآسيا الوسطى.
كما تلعب الاعتبارات الجيوسياسية دورًا محوريًا في استمرار الاعتماد على الوقود الأحفوري، فالدول المستوردة للطاقة تبحث عن تنويع مصادرها دون المخاطرة باستقرار الإمدادات، بينما تسعى الدول المنتجة إلى الحفاظ على دورها في أسواق الطاقة العالمية في ظل تحولات اقتصادية متسارعة.
هذا التوازن الحساس يجعل التحول السريع نحو الطاقة النظيفة صعبًا من منظور الأمن القومي لكثير من الدول.
تشير دراسات اقتصادية إلى أن التحول الطاقي يحتاج إلى استثمارات تتجاوز تريليونات الدولارات سنويًا في مجالات الشبكات الحديثة، وتخزين الكهرباء، وتطوير البنية التحتية للهيدروجين، وهو ما يعجز عنه كثير من الاقتصادات النامية.
وبحسب تقرير صدر هذا العام عن المنتدى الاقتصادي العالمي (WEF) بعنوان “تعزيز الانتقال الفعال للطاقة 2025″، فإن استثمارات الطاقة النظيفة يجب أن تبلغ نحو 5.6 ترليون دولار سنويًا بحلول 2030 للبقاء على المسار الصحيح نحو صافي الانبعاثات الصفرية، علاوة على ذلك، تباطأ النمو السنوي في الاستثمار إلى 11% – منخفضًا من 24% إلى 29% سنويًا في السنوات الثلاث السابقة.
وتقدّر الوكالة الدولية للطاقة المتجددة (IRENA) الحاجة إلى استثمارات تصل إلى 35 تريليون دولار حتى عام 2030 من أجل انتقال طاقي ناجح وشامل.
في الوقت ذاته، تواجه الدول المتقدمة ضغوطًا سياسية داخلية نتيجة ارتفاع تكاليف الطاقة وتراجع القدرة الشرائية، ما يجعل القرارات المتعلقة بخفض الاعتماد على النفط والغاز محفوفة بالمخاطر الاقتصادية.
ورغم أن العالم يمتلك اليوم المعرفة والتكنولوجيا اللازمة للبدء في التحول، إلا أن الإرادة السياسية والقدرة الاقتصادية لا تزالان غير متوافقتين بما يكفي لدفع تحول جذري.
والسؤال الحقيقي الذي يواجه الحكومات اليوم ليس ما إذا كان التحول الطاقي ضروريًا، بل ما إذا كان سيأتي في الوقت المناسب قبل أن يصبح تجاوز حدود المناخ أمرًا لا يمكن عكسه.
منشور في ألترا صوت
























































