* محمد علي الدين حافظ
“لقد اتفقوا على ألا يتفقوا”، هي أصدق وصف لملخص نتائج مؤتمر “كوب30 “، فبعد مناقشات ومحادثات استمرت لأكثر من أسبوعين في البرازيل، هناك بجوار غابات الأمازون – التي تصرخ منذ عقود – تغلبت الضغوط السياسية ومصالح الرأسمالية واقتصاديات النفط مرة أخرى، وتراجع “الإنسان” وحق الأجيال القادمة في مستقبل أفضل وكوكب أكثر عافية، لا تصرخ فيه الغابات ولا تئن فيه سائر الأحياء مما يفعله الفصيل البشري بها.
لامبالاة مناخية
هل يفهم قادة الدول الكبرى حجم الخطر والتهديدات المناخية التي نعاني منها؟ هكذا تساءل مندوب دولة إحدى جزر المحيط الهادي، والتي تعاني أكثر من غيرها من بلدان العالم، بل إن تلك المنطقة المحيطية مهددة وجودياً بالغرق.
لم يعد يخفى على أحد حجم الخطر الذي تشكله التغيرات المناخية، حتى أصبح العلماء وصناع القرار يعتبرونها التحدي الوجودي الأبرز للأمن والاستقرار في عصرنا الحالي، ولم تعد تلك التغيرات مجرد تهديدات فحسب بل أصبحت بالفعل وقائع كارثية نشهدها كل يوم ونتابع تداعياتها بأسى وأسف وتخوف مما يمكن أن تؤول إليه غدا من تأثيرات أكثر خطورة وأكثر صعوبة في التكيف وأشد كلفة.
لكن هل يدرك الساسة والمجتمعون هذه الأيام في البرازيل في “مؤتمر الأطراف الثلاثين” هذه المخاطر ويتحملون مسؤولية قراراتهم المتأخرة دوما في ظل الخلافات الدولية؟!، وفي ظل قيادة عالمية من الولايات المتحدة تأخذ العالم في مسار تراجعي نحو المزيد من الطاقة السوداء والاقتصاد الأسود الأحفوري الذي عاد بقوة مرة أخرى مع إدارة ترامب المعادية لمسار الاستدامة والتحولات الخضراء، مما يهدد بنسف كل الجهود التي أنجزت بصعوبة عبر عقود نحو الإلتزامات الدولية بحماية البيئة والتحول الأخضر والمستدام.
إنقسامات حادة ومسار ضبابي
الاجتماع هذه المرة لم يخرج بنتائج إيجابية متوقعة بل كان دون التوقع تماما,فالخلاف ليس فقط على الأهداف، بل حتى على جدول الأعمال والملفات التي ستناقشها الدول على طاولة الدبلوماسية البيئية الدولية – التي تمر بأصعب مراحلها – فبعد أن اتفقت الدول المشاركة في اجتماعات سابقة على جداول زمنية أولية لخفض الاعتماد على الوقود الأحفوري كمصدر رئيسي للطاقة، تراجعت أغلبها وبالأخص الدول النفطية الكبرى وعلى رأسها الولايات المتحدة والسعودية وغيرهما عن تلك الأهداف والجداول الزمنية لخفض الانبعاثات، وجاء بعد ذلك قرار الإدارة الأمريكية بالانسحاب الكامل من اتفاقية باريس، مما أفقد تلك الاتفاقية جديتها ومدى التزام الدول الموقعة عليها بخفض الانبعاثات الكربونية.
يأتي المؤتمر في ظل انقسامات دولية حادة بشأن الاتفاق على الأهداف المناخية، فوزراء المناخ بالاتحاد الأوروبي استبقوا المؤتمر منذ عدة أيام باتفاق تخفيف أهداف خفض الانبعاثات بحلول عام 2040 بشكل كبير، وهو اتفاق جاء وسط أجواء من ارتفاع تكاليف الطاقة وانقسام داخل المجموعة الأوروبية حول التنافسية وحجم تخفيف الأهداف المناخية ونسبتها المتوقعة حيث يمكن أن تصل إلى 80% بدلاً من 90% كما كان متفق عليه مسبقاً، وهو أمر سيتبعه حتماً تخفيف سياسات مناخية أخرى داخل المجموعة الأوروبية، رغم إدراكهم أن تحديد هدف مناخي – بتعبير وزير المناخ الدانماركي لارس أغارد – ليس مجرد اختيار رقم، بل هو قرار سياسي ذو عواقب بعيدة المدى.
ولا يقف الانقسام على الولايات المتحدة أو الصين أو المجموعة الأوروبية وحدها، بل هناك دول أخرى في آسيا وإفريقيا تريد التنمية والتقدم ولا تستطيع أن تتخلى عن أهدافها التنموية في ظل ضعف التمويل الدولي ولا تملك رفاهية الإعتماد على البدائل الخضراء – وحدها – خاصة على مستوى استهلاك الطاقة، وليس أمامها سوى المزيد من الوقود الأحفوري لتحافظ على اقتصادياتها النامية من الانهيار، وترى بعض هذه الدول في سلوك الولايات المتحدة مثال للتنصل من الإلتزامات المناخية بل وحتى رفض أي بدائل أخرى صديقة للبيئة.
وعود كبيرة وآمال صغيرة
ينعقد مؤتمر الأمم المتحدة للمناخ “كوب30” بحضور 60 زعيماً سياسياً فقط، وهو انخفاض واضح للتمثيل الدبلوماسي البيئي للدول المشاركة بعد المؤتمر السابق “كوب29” والذي حضره 80 زعيم سياسي، وهو أمر يعتبره المراقبون أقل تمثيل سياسي على مستوى القادة في تاريخ مؤتمرات الأطراف.
بالإضافة إلى عدم التمثيل الرسمي للولايات المتحدة رغم أنها واحدة من أهم قادة الدول الصناعية والمتسببة بنسبة تعد الأكبر في الانبعاثات الكربونية,بل وصل الأمر بإدارة ترامب إلى خطوات تصعيدة أوسع مدى تجاه المنظمات الدولية البيئية حيث أعلن منذ أيام إغلاق “المكتب المعني بالدبلوماسية المناخية” في وزارة الخارجية، في إشارة واضحة إلى نهج الولايات المتحدة الخطر تجاه الإلتزامات المناخية الدولية وهي انتكاسة كبرى للدبلوماسية البيئية والمناخية وستمتد تداعياتها لما أبعد من ذلك وقد تشجع غيرها من الدول على السير على ذات النهج، في وقت يواجه فيه كوكبنا تحديات بيئية شديدة الخطورة بسبب التغيرات المناخية.
ويعبر عن هذا الغياب الأمريكي تصريح المتحدث باسم وزارة الخارجية الأمريكية بقوله: إن واشنطن لن تشارك في الاتفاقيات والمبادرات الدولية التي لا تعكس قيم الولايات المتحدة”، مضيفاً أن المكتب بات “غير ضروري، مما سيؤثر بلا شك في قدرة المجتمع الدولي على تحقيق الأهداف المناخية.
وهو أمر يلقي بظلاله على جدية وجدوى الالتزام الدولي بالاتفاقيات المناخية وتحويل الوعود إلى آليات تنفيذية على المديين القريب والبعيد، وإنعاش العمل المناخي الدولي بعد جمود وتخبط نتيجة ضبابية مسارات الدول الكبرى والمؤثرة بشكل كبير، وهو أمر يثير سؤال وجودي أخطر، هل سيظل مستقبلنا ومصيرنا مرهونا بسياسات تلك الدول التي تدفعنا نحو الهاوية وتهدد كوكب بأكمله.
آمال مهددة ومجتمعات هشة
تداعيات التغيرات المناخية وآثارها الكارثية لا تهدد دول العالم بالتساوي، فهناك دول ومجتمعات أكثر تضرر من غيرها ومعرضة أكثر لتلك المخاطر، بل بالفعل تعاني من تلك الآثار وتدفع ثمناً غالياً، منها بالأخص المجتمعات الساحلية التي تواجه مخاطر ارتفاع مستوى سطح البحار والمحيطات ومخاطر الطقس المتطرف بشكل متكرر وغير مسبوق كأحد أهم ظواهر التغير المناخي، وكذلك المجتمعات الهشة الضعيفة القائمة على اقتصاديات غير مستقرة من الزراعة الموسمية، أو المجتمعات التي تعيش بمناطق جافة وصحراوية وتعاني من ندرة المياه وتفاقم مواسم الجفاف المتكررة، وكلها مجتمعات يهدد التغير المناخي وآثاره وجودها وأنظمتها البيئية مما ينعكس على مواردهم بل وحياتهم ووجودهم ذاته.
وليس هناك أمل لهذه المجتمعات الضعيفة سوى الالتزام الدولي بمساعاتهم وتعزيز الدبلوماسية والعمل المناخي المشترك لإلزام الدول الكبرى والأكثر تأثيراً بصورة سلبية في تفاقم مظاهر التلوث البيئي والانباعاثات التي تضاعف آثار التغير المناخي، وهو أمر يضعنا جميعا أمام مسؤولية حيوية ومهمة إنقاذ عاجلة لا تحتمل التأجيل لتلك المجتمعات والدول وللكوكب المريض وأنظمته الهشة التي تتداعى بصورة مخيفة وتهددنا جميعاً، فالبيت بيتنا، والسقف لن يميز في انهياره بين سكانه، بل سيصيبنا جميعاً.
تعد مثل هذه المؤتمرات والاتفاقيات متعددة الأطراف السبيل الأهم لإحياء دبلوماسية المناخ وبحث العدالة بين مجتمعات ودول قوية مؤثرة ومتسببة في الأزمة، وعلى الجانب الآخر من الطاولة الدبلوماسية مجتمعات ودول صغيرة ونامية ومجتمعات سكان أصليين لجزر مهددة بالاختفاء ولا تملك من أمرها شيئاً ولم تكن حتى طرفاً أو متسببة في الأزمة، وتلك المعادلة أحد أخطر المعادلات الأخلاقية اليوم في ظل مسار رأسمالي متطرف يحكم الدول الكبرى ويؤثر في العالم والكوكب بأسره، فهل تنجح الدبلوماسية المناخية والحوار الدولي في منع الإنهيار المناخي والبيئي الذي نوشك أن نسقط فيه جميعاً.
* كاتب ومدون مصري مهتم بقضايا العلوم والتكنولوجيا والبيئة
أخبار البيئة
الآراء الواردة من قراء موقع أخبار البيئة هي أراؤهم الشخصية، لا تمثل بالضرورة رأي الموقع
























































