في خطوة علمية لافتة قد تُعيد ضبط فهم العلماء لدورة غاز الميثان في الغلاف الجوي، نجح باحثون من جامعة واشنطن في استخدام بيانات الأقمار الصناعية لقياس مقدار الفقد الفعلي لغاز الميثان في طبقة الستراتوسفير، مقدّمين بذلك تقديراً مرصوداً مباشرة من الفضاء، يختلف عن القيم المعتمدة سابقاً في النماذج المناخية.

وتمثل الدراسة، التي نُشرت في دورية الأكاديمية الوطنية للعلوم الأميركية (PNAS)، أول قياس قائم على الرصد الفضائي لكمية الميثان التي تتحلل في الستراتوسفير، وهي الطبقة الواقعة فوق طبقة التروبوسفير التي نشهد فيها الظواهر الجوية المعتادة.

ويُعدّ الميثان من أقوى غازات الدفيئة تأثيراً في الاحترار العالمي، إذ تشير التقديرات العلمية إلى أنه مسؤول عن نحو 30% من الارتفاع الحديث في درجات الحرارة العالمية، رغم أن تركيزه أقل بكثير من ثاني أكسيد الكربون.

إلا أن ما يميز الميثان هو عمره الأقصر نسبياً في الغلاف الجوي، حيث يبقى لنحو عقد من الزمن قبل أن يخضع لتفاعلات كيميائية تؤدي إلى تفككه، ما يجعله هدفاً رئيسياً لسياسات خفض الانبعاثات على المدى القريب.

قاد فريق البحث الأستاذ كوانغ فو، وشارك فيه طالب الدكتوراه كونغ دونغ، واعتمدوا على بيانات أقمار صناعية متاحة علناً لقياس نواتج تحلل الميثان في الستراتوسفير. ومن خلال تحليل هذه البيانات، تمكن الفريق من حساب كمية الميثان التي تُزال فعلياً عبر التفاعلات الكيميائية في تلك الطبقة، بدلاً من الاعتماد فقط على المحاكاة الحاسوبية أو الافتراضات النظرية التي سادت لعقود.

وأظهرت النتائج أن معدل فقدان الميثان في الستراتوسفير أعلى مما كانت تشير إليه التقديرات المعتمدة في عدد من النماذج المناخية، وهذا الفارق لم يكن تفصيلاً تقنياً فحسب، بل كان عنصراً أساسياً في ما يُعرف بـ«ميزانية الميثان»، أي المعادلة التي توازن بين مصادر الغاز – سواء الطبيعية مثل الأراضي الرطبة، أو البشرية مثل الزراعة واستخراج الوقود الأحفوري- وبين المصارف التي تزيله من الغلاف الجوي.

وعلى مدى سنوات، ظل هناك اختلاف ملحوظ بين طريقتين لتقدير ميزانية الميثان: الطريقة «السفلية» التي تجمع الانبعاثات من مصادرها المعروفة، والطريقة «العلوية» التي تستند إلى قياسات الغلاف الجوي الإجمالية من الأعلى إلى الأسفل، واسهم التقدير الجديد لفقدان الميثان في الستراتوسفير أسهم في تضييق الفجوة بين الطريقتين، ما يعزز الثقة في الحسابات العالمية المتعلقة بدورة هذا الغاز وتأثيره المناخي.

ولا يقتصر الأمر على اختفاء الميثان ذاته، إذ إن تحلله في الستراتوسفير ينتج بخار ماء ومواد كيميائية أخرى قد تؤثر في توازن طبقة الأوزون وتركيب الغلاف الجوي العلوي، ومن هنا، فإن تحسين فهم هذه العمليات لا ينعكس فقط على حسابات الاحترار العالمي، بل أيضاً على التفاعلات الكيميائية المعقدة التي تحكم استقرار الغلاف الجوي.

تعكس هذه الدراسة أيضاً التحول المتسارع نحو الاعتماد على تقنيات الرصد الفضائي في مراقبة غازات الدفيئة، فالأقمار الصناعية باتت أداة مركزية في كشف تسربات الميثان ورصد الانبعاثات الصناعية والطبيعية على حد سواء، ما يمنح المجتمع العلمي وصنّاع القرار بيانات أكثر دقة وشفافية لدعم سياسات المناخ.

وبالنظر إلى أن الميثان يُعد من الغازات القابلة للتخفيض السريع نسبياً مقارنة بثاني أكسيد الكربون، فإن أي تحسن في فهم دورة حياته داخل الغلاف الجوي يترجم مباشرة إلى سياسات أكثر فاعلية في كبح الاحترار على المدى القريب.

وتضيف الدراسة الجديدة قطعة مهمة إلى هذا اللغز المناخي، مؤكدة أن الرصد المباشر من الفضاء لم يعد أداة تكميلية، بل عنصراً حاسماً في بناء الصورة الكاملة لمستقبل المناخ العالمي.

أخبار البيئة

اترك تعليقاً

الرجاء إدخال تعليقك!
الرجاء إدخال الاسم هنا