صدر تقرير المنتدى العربي للبيئة والتنمية عن «خيارات البقاء والبصمة البيئية في البلدان العربية». وأطلق التقرير في مؤتمر دولي افتتحه في بيروت رئيس الجمهورية العماد ميشال سليمان بمشاركة عدد كبير من المسؤولين ورؤساء المنظمات الإقليمية والدولية وقطاع الأعمال وهيئات المجتمع المدني.

هنا ملخص لأهم ما جاء في التقرير:

يطرح المنتدى العربي للبيئة والتنمية في تقريره لسنة 2012 «البيئة العربية: خيارات البقاء» حسابات البصمة البيئية، من أجل تحليل خيارات في المنطقة العربية لبناء اقتصادات مزدهرة ومستقرة في عالم محدود الموارد. وبهدف إيجاد قاعدة للتحليل، كلّف المنتدى الشبكة العالمية للبصمة البيئية (GFN) إنتاج أطلس للبصمة البيئية والموارد الطبيعية يستقصي قيود الموارد في البلدان العربية من حيث القدرة التجديدية للطبيعة.

الغاية من حساب البصمة البيئية هي توفير كشف حساب بيئي للمنطقة العربية، يقيّم خدماتها الأيكولوجية المقدَّمة ويقابلها بطلبها على المحيط الحيوي العالمي من أجل توفير الموارد واستيعاب النفايات. ومن أبرز ما توصلت إليه دراسة المنتدى أن متوسط البصمة البيئية للفرد في البلدان العربية ارتفع بنسبة 78 في المئة بين عامي 1961 و2008، فيما ازداد عدد السكان 250 في المئة، ما يعني أن البصمة البيئية الإقليمية الشاملة زادت أكثر من 500 في المئة. وتراجع متوسط القدرة البيولوجية المتوافرة للفرد في البلدان العربية بنسبة 60 في المئة خلال هذه الفترة. وتعاني المنطقة ككلّ، منذ عام 1979، عجزاً متزايداً في القدرة البيولوجية، حيث إن طلبها على الخدمات الأيكولوجية يتجاوز الإمدادات المحلية. ولتغطية هذه الفجوة، كان لا بد من استيراد خدمات أيكولوجية من خارج حدود المنطقة. وهذه الحال تفرض قيوداً مشددة على الازدهار الاقتصادي والرفاه البشري.

يسعى تقرير «أفد» الجديد إلى تشجيع صانعي القرار وعامة الناس على إدخال المحاسبة البيئية في ممارساتهم اليومية، كي تتمـــكن المنطقة من المحافظة على اقتصاد تنافسي قابل للحياة وبيئة سليمة لمدة طويلة في المستقبل. هنا أبرز ما أورده التقرير.

إذا كان النمو في الناتج المحلي الإجمالي هو المقياس، فقد حققت البلدان العربية نتائج جيدة خلال السنوات الخمسين الماضية، إذ ارتفع معدل دخل الفرد أربعة أضعاف. وفي حين انعكس هذا ارتفاعاً في مستوى المعيشة في مناطق عدة، إلا أنه لم يحقق بالضرورة نوعية حياة أفضل، ولا هو حسّن من فرص العيش المستدام في المستقبل. فقد شهدت الفترة نفسها هبوطاً حاداً في الموارد الطبيعية في المنطقة إلى أقل من نصف ما كانت عليه. ورافق هذا تدهور متسارع في الأوضاع البيئية، ما جعل المنطقة على شفا الإفلاس في الأنظمة الأيكولوجية. هذا ما توصل إليه تقرير المنتدى العربي للبيئة والتنمية (أفد) لعام 2012 «البيئة العربية: خيارات البقاء»، الذي حذّر من أن أخطار هذا الوضع لا تنحصر بفرض قيود على النمو ونوعية الحياة في المستقبل، بل هي تهدد فرص البقاء نفسها.

لقد دخلت المنطقة العربية مرحلة العجز في الأنظمة الأيكولوجية منذ عام 1979. واليوم تبلغ مستويات استهلاك المواد والسلع والخدمات الأساسية لاستمرار الحياة أكثر من ضعفي ما يمكن الأنظمة الأيكولوجية المحلية توفيره. وترافق هذا مع ارتفاع البصمة البيئية الإقليمية إلى ضعفين وانخفاض المياه العذبة المتوافرة للفرد نحو أربعة أضعاف.

هذه هي بعض أبرز النتائج التي توصل إليها «أطلس البصمة البيئية والموارد الطبيعية في البلدان العربية» الذي أعده باحثون من شبكة البصمة البيئية العالمية خصيصاً لتقرير «أفد» السنوي. يحلّل الأطلس حجم الطلب على الموارد، أي البصمة البيئية، والإمدادات المتوافرة، أي القدرة البيولوجية، بمقياس «الهكتارات العالمية»، وذلك لإلقاء الضوء على محدودية الموارد في البلدان العربية من حيث قدرة الطبيعة على التجديد.

البصمة والتدهور البيئي

تقع معظم البلدان العربية اليوم تحت وطأة ديون أيكولوجية كبيرة. فمقارنة مع عام 1961، ارتفع مستوى البصمة البيئية للمنطقة 78 في المئة، من 1.2 إلى 2.1 هكتار عالمي للفرد. وقد تسبب بهذا الانهيار عاملان أساسيان. الأول هو ارتفاع عدد السكان 3.5 مرة، ما أدى إلى ارتفاع عام في الاستهلاك. أما العامل الثاني فهو الارتفاع الحاد في كمية الموارد التي يستهلكها الفرد، بسبب ارتفاع معدلات الدخل وتبدل أنماط الحياة.

انخفض معدل القدرة البيولوجية المتوافرة للفرد في البلدان العربية 60 في المئة خلال خمسين عاماً، من 2.2 إلى 0.9 هكتار عالمي. ويمكن إرجاع هذا الانخفاض الحاد أساساً إلى التزايد الكبير في السكان وتدهور القدرة الإنتاجية للأنظمة الأيكولوجية في المنطقة، بسبب التلوث وتدمير الموائل الطبيعية والإدارة غير الملائمة للموارد.

ويتم سد العجز الكبير في الموارد الطبيعية في شكل أساس من طريق الاستيراد واستنزاف الموارد المحدودة المتوافرة محلياً. ويحذّر تقرير «أفد» من أن هذه الاستراتيجية غير قابلة للاستمرار، لأن الاستغلال المفرط يؤدي في المدى الطويل إلى استنفاد مخزون الموارد الطبيعية وتدهور بيئي لا يمكن تصحيحه.

فمن جهة، الاعتماد المفرط على الاستيراد يهدد الأمن الاقتصادي، بسبب ارتفاع أسعار المواد الغذائية المستوردة وخطر توقف الإمدادات والقيود التجارية. وبالنسبة إلى الدول العربية غير المنتجة للنفط، يؤدي تحمّلها ديوناً لتمويل الاستيراد إلى تقييد نموها الاقتصادي والحد من قدرتها على تحسين نوعية حياة مواطنيها في المستقبل.

من جهة أخرى، فإن للإدارة غير الملائمة للموارد انعكاسات خطيرة على البيئة. وقد حذّرت التقارير السنوية المتتالية التي أصدرها «أفد» من أن الإفراط في استغلال الموارد، وأثر التغير المناخي، والزيادة السكانية المرتفعة، والنمو الاقتصادي والعمراني غير المنضبط، كلها تضاعف التحديات البيئية التي تواجه المنطقة وتحدّ من القدرة على إدارتها. وفي طليعة هذه التحديات ندرة المياه، وتدهور الأراضي، والإدارة غير السليمة للنفايات، وتدهور البيئة البحرية والساحلية، وتلوث الهواء والماء. وقدرت تقارير «أفد» كلفة التدهور البيئي في المنطقة العربية ككل بنحو خمسة في المئة من الناتج المحلي الإجمالي، في حين أن ما تخصصه الموازنات الوطنية للإدارة البيئية لا يتجاوز الواحد في المئة من الناتج المحلي الإجمالي في أي بلد عربي.

وتظهر البيانات الواردة في أطلس البصمة البيئية تفاوتاً كبيراً بين البلدان العربية. فمعدل بصمة الفرد في قطر هو الأعلى في العالم (11.7 هكتار عالمي للفرد)، وهذا يتجاوز بتسعة أضعاف معدل البصمة البيئية في المغرب. وتحتل الكويت والإمارات المرتبتين الثانية والثالثة بين الدول صاحبة البصمة البيئية الأعلى للفرد في العالم.

ويتبين من أرقام الأطلس أنه إذا عاش جميع سكان العالم وفق المعدل العام للمواطن العربي، فستكون هناك حاجة إلى 1.2 كرة أرضية. أما إذا عاشوا وفق معدل المقيم في قطر، فستكون هناك حاجة إلى 6.6 كوكب لتلبية مستوى الاستهلاك وانبعاثات ثاني أوكسيد الكربون. في المقابل، إذا عاش العالم وفق معدل الفرد في المغرب، فستكون هناك حاجة إلى ثلاثة أرباع الكرة الأرضية فقط لتلبية حاجاتهم.

ويظهر التفاوت أيضاً في أشكال أخرى، مثل كمية المياه العذبة المتوافرة للفرد، التي تتراوح بين 8 أمتار مكعبة في الكويت و3460 متراً مكعباً في موريتانيا، والناتج المحلي الإجمالي للفرد الذي يتراوح بين ما يقارب ألف دولار في السودان واليمن وأكثر من 92 ألف دولار في قطر.

إلا أن معدل البصمة البيئية للفرد في بعض الدول العربية، مثل اليمن، منخفض جداً مقارنة مع المعدل العالمي. ويشير تقرير «أفد» إلى أنه أقل حتى مما هو مطلوب لتأمين الحد الأدنى من حاجات الغذاء والمأوى والصحة والنظافة الأساسية. لهذا، فإن تقليل الطلب على الموارد لا يوفر الحل الوحيد لسد العجز. فلتحسين نوعية الحياة، لا بد من إقامة توازن في توزيع الموارد ما بين الدول والمناطق، لتحقيق عدالة في حصة الفرد من الموارد الطبيعية المتجددة. وهذا يتطلب تحسين الكفاءة وإدارة مبتكرة للموارد.

ويكشف الأطلس أن البصمة الكربونية شهدت النسبة الأعلى من الارتفاع خلال السنوات الخمسين الماضية، مع نمو استهلاك الطاقة في المنطقة العربية أكثر مما في أي منطقة أخرى في العالم. وهذا يعكس انتشار الصناعات المستنزفة للطاقة والطلب المتزايد على الكهرباء ووسائل النقل من أعداد متزايدة من السكان. وقد تميز استهلاك الطاقة في المنطقة العربية بالهدر وانخفاض معدلات الكفاءة.

 تغيير المسار

في ضوء الضغوط على الموارد في البلدان العربية، يركز تقرير «أفد» على تحقيق الرخاء الاقتصادي مع الحفاظ على صحة البيئة في الوقت نفسه. إنه يحاول استكشاف مستوى استهلاك الموارد الأكثر ملاءمة للاقتصادات العربية، استناداً إلى رأس المال الطبيعي المتوافر.

تتطلب معالجة هذه الأسئلة تحولاً في السياسات الاقتصادية، بحيث تأخذ في الاعتبار محدوديات الموارد الطبيعية المتوافرة محلياً. وسيكون على متخذي القرار في البلدان العربية التطلع أبعد من أرقام الناتج المحلي الإجمالي كمعيار للأداء، وتطوير التحليل الاقتصادي بإدخال معلومات حول استهلاك الموارد وتوافرها وقدرة الطبيعة على تجديدها.

صحيح أن تحديد أهداف للتنمية يعتبر حقاً سيادياً وطنياً للحكومات. غير أن خطط النمو الاقتصادي يجب أن تأخذ في الاعتبار المحدوديات الأيكولوجية وقدرة الطبيعة على دعم متطلبات الحياة في شكل مستدام. واستناداً إلى الكفاءة المتدنية التي تميز تحويل الموارد إلى منتجات نهائية، على الدول العربية تحسين الإنتاجية الاقتصادية لمواردها، من خلال التعامل مع كفاءة الطاقة والمياه كهدف استراتيجي مركزي.

وفي حين يحذّر تقرير «أفد» من تزايد حجم العجز الغذائي، فهو يكشف أنه إذا استطاع منتجو الحبوب العرب الرئيسيون رفع كفاءة الإنتاج والري إلى المعدل العالمي، فسيكون بإمكانهم سد العجز. غير أن تحقيق الأمن الغذائي يتطلب تعاوناً إقليمياً، إذ لا يمكن الوصول إليه على مستوى كل دولة منفردة من دون التسبب بمضاعفات بيئية خطيرة، خصوصاً في مجال استنزاف المخزون الاستراتيجي للمياه الجوفية.

البرامج الإقليمية في البحث العلمي هي مفتاح تحقيق الاستدامة والنمو المتوازن للجميع. والخيار الأساسي الذي لا بد من اتخاذه هو استخدام الدخل الحالي من الموارد النفطية المحدودة في المنطقة لبناء قاعدة علمية وتكنولوجية صلبة، كاستراتيجية لضمان البقاء ونوعية حياة جيدة في عصر ما بعد النفط.

التكتل العربي

تواجه البلدان العربية تحدي تأمين ظروف حياة جيدة مستدامة لجميع سكانها، بدل السعي لتحقيق النمو من أجل النمو نفسه لزيادة أرقام الناتج المحلي بأي ثمن.

وقد وجد تقرير «أفد» لعام 2012 أنه لا يمكن أي بلد عربي أن يحيا ككيان منعزل. ويوفر التنوع في الموارد الطبيعية والبشرية في المنطقة العربية أساساً صلباً للبقاء والتجدد. لكن هذا يتطلب تعاوناً إقليمياً اقتصادياً وتحرير التجارة بين الدول العربية من القيود، بحيث يشكل الانتقال الحر للبضائع والرساميل والقوى العاملة عنصر قوة تستفيد منه جميع دول المنطقة. من مصلحة الدول العربية أن تعمل ككيانات متكاملة، بخاصة في عصر يتحول العالم إلى تكتلات اقتصادية وتجارية إقليمية تقوم على المصالح المشتركة.

لا يرمي تقرير «أفد» إلى زرع الخوف والهلع حول العجز في الموارد، مع أن بعض استنتاجاته قد تبدو سوداوية. إنه يرمي إلى تأكيد الحاجة إلى تغيير المسار، استناداً إلى رؤية لمستقبل المنطقة العربية يحفزها الأمل. وفي هذا الإطار، يشير التقرير إلى بوادر أمل تُظهر أن بعض الدول العربية بدأت بالفعل خطوات نحو الاستجابة للتحديات. فالإمارات العربية المتحدة، مثلاً، التي هي صاحبة البصمة البيئية الثالثة الأعلى في العالم، بدأت مبادرة وطنية رائدة لقياس بصمتها البيئية، بهدف معالجة العجز في الموارد واعتماد سياسات في التنمية المستدامة تقوم على العلم. ويشكل معهد مصدر للعلوم والتكنولوجيا في أبو ظبي وجامعة الملك عبدالله للعلوم والتكنولوجيا في جدة نموذجين لمبادرات إقليمية تدعم التنمية المتوازنة من طريق الأبحاث العلمية في الطاقة المتجددة وإنتاج الغذاء وإدارة المياه.

إن تقرير المنتدى العربي للبيئة والتنمية حول خيارات الاستدامة هو دعوة إلى البلدان العربية للقيام بعمل جماعي من أجل اعتماد رؤية اقتصادية وبيئية مستدامة. التعاون الإقليمي، وكفاءة الموارد، والاستهلاك المتوازن، تشكل خيارات البقاء للمنطقة العربية. المطلوب مباشرة العمل فوراً، إذ لا يحتمل العرب إضاعة نصف قرن آخر من الخطب الرنانة.

 أطلس البصمة البيئية العربية وأبرز النتائج

يظهر الأطلس أرقاماً مهمة لفهم الإيجابيات والسلبيات التنافسية في المنطقة، ومنها ما يأتي:

> عانت المنطقة بأسرها منذ 1979 عجزاً في القدرة البيولوجية، إذ تجاوز طلبها على الخدمات الأيكولوجية العرض المحلي بأكثر من ضعفين. ولردم هذه الفجوة، كان لا بد من استيراد خدمات أيكولوجية من خارج المنطقة.

> يحتاج المقيم في البلدان العربية، كمعدل، إلى أكثر من ضعفي الموارد المتوافرة.

> ازداد معدل البصمة البيئية للفرد في البلدان العربية بنسبة 78 في المئة، من 1.2 إلى 2.1 هكتار عالمي للفرد، خلال السنوات الخمسين الماضية.

> انخفض معدل القدرة البيولوجية المتوافرة للفرد في البلدان العربية بنسبة 60 في المئة خلال الفترة 1961 – 2008.

> ازداد عدد السكان بنسبة 250 في المئة خلال الفترة الزمنية ذاتها، لذلك ازدادت البصمة البيئية الإقليمية الشاملة بأكثر من 500 في المئة.

> تستأثر أربعة بلدان بأكثر من 50 في المئة من البصمة البيئية في المنطقة العربية: مصر (19 في المئة) والسعودية (15 في المئة) والإمارات (10 في المئة) والسودان (9 في المئة).

> قدم بلدان اثنان نحو 50 في المئة من القدرة البيولوجية في المنطقة العربية عام 2008: السودان (32 في المئة) ومصر (17 في المئة).

> إذا عاش جميع البشر مثل المواطن العربي العادي، فستكون هناك حاجة إلى 1.2 كوكب لتلبية طلبهم على الموارد. وإذا عاشوا مثل معدّل الشخص المقيم في قطر، فستكون هناك حاجة إلى 6.6 كوكب لتلبية هذا المستوى من الاستهلاك وانبعاثات ثاني أوكسيد الكربون. وعلى نقيض ذلك، إذا عاش كل الناس مثل يمني عادي، فسيحتاجون إلى نصف كوكب الأرض فقط، لكن ذلك لن يلبي الحاجات البشرية الأساسية في شكل كافٍ.

تظهر هذه الاستنتاجات أن المـــنطقة اقتـربت من حال عــدم توازن بين الــعرض والطــلب المحـــلييـــن على الخــدمات الأيـــكولوجـــية، ما يشكل خطراً على التوسع والاستــقرار الاقتــصاديين، وعلى الرفاه البشري.

 

المصدر: جريدة الحياة

اترك تعليقاً

الرجاء إدخال تعليقك!
الرجاء إدخال الاسم هنا