ينطلق قطار الاستثمار العالمي في الطاقة الشمسية بوتيرة متسارعة، وهو تحول يقول محللون إنه بات أمرا بارزا بشكل أكبر بالنظر إلى الحاجة الملحة إلى تنظيف مصادر الكهرباء، بما يجعلها تسهم في تطويق أزمة الاحتباس الحراري.

ومن المنتظر أن يتجاوز حجم الاستثمار الرأسمالي المتدفق إلى قطاع الطاقة الشمسية حجم ذلك المخصص لإنتاج النفط لأول مرة في التاريخ خلال عام 2023، حسب وكالة الطاقة الدولية.

ويتوقع مدير الوكالة فاتح بيرول أن تجذب استثمارات الطاقة الشمسية ما يتجاوز مليار دولار يوميا خلال هذا العام، مع أكثر من 1.7 تريليون دولار لتقنيات الطاقة النظيفة ومصادر الطاقة المتجددة والتخزين.

كما من المتوقع أن يصل الاستثمار العالمي في الطاقة بشكل عام إلى حوالي 2.8 تريليون دولار في العام الحالي.

وقال بيرول في لقاء جمعه بأرابيل غوميد على محطة سي.أن.بي.سي التلفزيونية الأميركية الخميس الماضي، إن هناك “فجوة متزايدة بين الاستثمار في الطاقة الأحفورية والاستثمار في الطاقة النظيفة”.

وأضاف “تتحرك الطاقة النظيفة بنسق أسرع مما يدركه الكثيرون. ويبرز هذا في اتجاهات الاستثمار، حيث تبتعد التقنيات النظيفة عن الوقود الأحفوري”.

وتابع “مقابل كل دولار يُستثمر في الوقود الأحفوري، يُخصص 1.7 دولار الآن للطاقة النظيفة”، وأن هذه “الاستثمارات كانت متعادلة قبل خمس سنوات”.

وقالت الوكالة في تقرير نشرته مؤخرا إن “380 مليار دولار ستذهب هذا العام إلى الطاقة الشمسية وأساسا إلى الخلايا الكهروضوئية، فيما ستخصص استثمارات بقيمة 370 مليار دولار لإنتاج النفط (التنقيب والاستخراج)”.

وتهيمن تقنيات منخفضة الكربون على الاستثمار العالمي في إنتاج الكهرباء بنسبة 90 في المئة. وساهم تقلّب أسعار الوقود الأحفوري مدفوعا بالحرب في أوكرانيا، وتدابير الدعم التي اتخذها الاتحاد الأوروبي والصين واليابان والولايات المتحدة، في تعزيز هذا الاتجاه.

ويقول أليكس كيماني، الكاتب المالي المخضرم في منصة “أويل برايس” الأميركية، إن العديد من الحكومات ركزت على الطاقة البديلة منذ أزمة الطاقة قبل عامين، وتنظر إلى القطاع على أنه طريقة مثالية لإزالة الكربون مع تحقيق أمن الطاقة في الوقت ذاته.

كما تستثمر العديد من مراكز إنتاج النفط، بما في ذلك السعودية والإمارات، بكثافة في الطاقة المتجددة حيث تحاول تنويع اقتصاداتها.

وفي يناير الماضي أظهر مسح أجرته بلومبرغ أن.إي.أف أن حكومات العالم والشركات أنفقت في 2022 مبالغ في مشاريع استبدال الوقود الأحفوري توازي ما تم إنفاقه على إنتاج النفط والغاز ليتخطى المرة الأولى حاجز تريليون دولار.

ووفقا لتقرير “اتجاهات الاستثمار للتحول إلى الطاقة المتجددة 2023” الصادر عن شركة بلومبرغ للأبحاث، بلغت الاستثمارات العالمية للتحوّل إلى الطاقة المستدامة نحو 1.1 تريليون دولار، أي ما يعادل تقريبا المبلغ المستثمر في إنتاج الوقود الأحفوري.

ومع أن المبلغ المستثمر يمثل قفزة بنسبة 31 في المئة مقارنة بعام 2021، إلا أنه لا يزال مجرد جزء بسيط مما هو مطلوب لخفض انبعاثات الغازات الدفيئة ومكافحة ظاهرة الاحتباس الحراري.

وتتوقع بلومبرغ أن.إي.أف تضاعف الاستثمارات السنوية في الطاقة البديلة، ثلاث مرات حتى حلول العام 2030، في إطار مساعدة دول العالم على تحقيق هدف الوصول إلى صافي انبعاثات صفرية بحلول 2050.

واستأثرت طاقتا الشمس والرياح بالجزء الأكبر من استثمارات العام الماضي، فقد أظهرت البيانات أن قيمتهما بلغت نحو 495 مليار دولار، بزيادة قدرها 17 في المئة بما كان عليه الحال قبل عام.

ومن أسباب سرعة نمو قطاع الطاقة النظيفة هو حقيقة أن الطاقة المتجددة أصبحت أخيرا بعد عدة عقود قادرة على منافسة الوقود الأحفوري في توليد الكهرباء.

وحلل كبير المراسلين في إنيرجي أنتليجنس فيليب روس العام الماضي تكلفة توليد الكهرباء المعروفة أيضا باسم “التكلفة المعيارية للطاقة” التقليدية والمتجددة في خمس مناطق، هي الولايات المتحدة وأوروبا الغربية واليابان والشرق الأوسط ودول آسيا النامية.

واستندت البيانات التي تشمل أسعار النفط والغاز والفحم في منطقة الشرق الأوسط وآسيا، إلى نموذج التكلفة المعيارية للطاقة، الذي تعتمده إنيرجي أنتليجنس.

وكشفت دراسة لهذه المنصة الأميركية التي تهتم بالطاقة أن الطاقة المتجددة قد تفوقت على الغاز بشكل دائم، مع احتداد السباق بين طاقتي الشمس الكهروضوئية والرياح البرية على التكلفة الأقل.

ويشمل هذا الاتجاه حتى اليابان، حيث تعيق ندرة العقارات مصادر الطاقة المتجددة كثيفة الاستخدام للأراضي. ويتفوق قطاع الرياح البرية على الفحم وتعوّض الطاقة الكهروضوئية الغاز.

ووفقا لتقرير إنيرجي أنتليجنس، “تقلّ تكاليف توليد طاقة الرياح والطاقة الكهروضوئية عن تكاليف بدائل الوقود الأحفوري الأخرى، خاصة مع ارتفاع أسعار الغاز والفحم”.

وأشار روس إلى أن التقنيات المتجددة تبقى هي الخيار الأرخص مع تواصل مشاكل سلسلة التوريد التي تزعج كلا القطاعين.

ويعدّ الاستثناء المحتمل لهذا الاتجاه قبل نهاية السنة الحالية هو الغاز الطبيعي، حيث انخفضت أسعاره بشكل كبير خلال الشهرين الماضيين.

وانخفضت أسعار الغاز الطبيعي في أوروبا بشكل حاد بعد أن وصلت إلى أعلى مستوياتها منذ عقود بعد وقت قصير من اندلاع الحرب الروسية – الأوكرانية.

وكان هذا بنسبة بلغت 15 في المئة خلال هذا الأسبوع وحده. وانهارت الأسعار الآن بنسبة 90 في المئة منذ أعلى مستوى قياسي في أغسطس 2022 تجاوز 322 دولارا (300 يورو) لكل ميغاواط ساعة.

ويؤكد كيماني أن ضعف الطلب الصناعي العالمي وارتفاع المخزونات في هذا الوقت من العام كانا من أسباب التراجع الرئيسية، وفي المقابل، لا تزال أسعار النفط والفحم أعلى بكثير من متوسطها لمدة 5 سنوات.

ومع استعداد تحالف أوبك+ لبذل جهود كبيرة للإبقاء على الأسعار مرتفعة وعدم رغبة منقبي النفط الصخري في الولايات المتحدة أو عدم قدرتهم على زيادة الإنتاج بسرعة، من المرجح أن تظل أسواق النفط في مرحلة غير مريحة على المدى المتوسط على الأقل.

المصدر: صحيفة العرب

اترك تعليقاً

الرجاء إدخال تعليقك!
الرجاء إدخال الاسم هنا