شهدت سنة 2017 زيادة قياسية في حجم تركيبات الطاقة الشمسية الجديدة إذ بلغت الاستطاعة المضافة نحو 100 جيغاواط لتبلغ كمية الطاقة الكهربائية المولدة عالمياً من الألواح الكهرضوئية أكثر من 400 جيغاواط في هذه السنة. وتتجاوز هذه الزيادة الاستطاعة المضافة من قبل منشآت الطاقة الكهربائية الجديدة التي تعمل على الوقود الأحفوري والطاقة النووية مجتمعتين.

وتلعب التطورات التكنولوجية المتسارعة دوراً رئيسياً في نمو الاعتماد على الطاقة الشمسية في جميع أنحاء العالم. وفيما تصبح تقنيات الطاقة المتجددة أرخص وأكثر كفاءة وملاءمة، فإنها تشجّع على توظيف المزيد من الاستثمارات في البحث والتطوير، ما يخلق دورة من الابتكار المستمر المدفوع بمتطلبات السوق.

إن منتجات الطاقة الشمسية اليوم أفضل مما كانت عليه في أي وقت مضى، سواء في التوليد أو التخزين أو النقل، ومع ذلك فإن هناك الكثير من التطورات المثيرة في الأفق. لنلقِ نظرة على بعض الابتكارات الواعدة لحصاد الطاقة الشمسية.

المواصلات الشمسية

تجاوز عدد المركبات العاملة على الطاقة الكهربائية في سنة 2017 أكثر من 3 ملايين سيارة. ولا يمكن اعتبار التخلي عن محركات الوقود الأحفوري واعتماد المحركات الكهربائية عملاً مؤثراً في الحد من تغير المناخ العالمي ما لم تكن الطاقة الكهربائية المستخدمة ناتجة عن مصادر متجددة. وتوجد الآن بعض الدول والمدن التي توفر لمواطنيها الطاقة المتجددة اللازمة لشحن السيارات الكهربائية، مثل هولندا ودلهي في الهند وسانتياغو في تشيلي.

هناك الكثير من المحاولات لإدماج الطاقة الشمسية في قطاع النقل من أجل الوصول إلى حلول بيئية متكاملة. ومن التطورات البارزة في هذا المجال، رحلة الطائرة الشمسية “سولار إمبلس 2” حول العالم من دون نقطة وقود واحدة.

وحلقت الطائرة سولار إمبلس 2 خلال رحلتها على ارتفاعات تصل إلى 9000 متر، وبسرعة تتراوح بين 45 و90 كيلومترا في الساعة. وبفضل احتوائها على 12 ألف خلية شمسية و4 مراوح كهربائية، تمكنت في شهر تموز (يوليو) 2016 من إكمال رحلة حول العالم بلغ طولها 42 ألف كيلومتر، لتكون الرحلة الأولى من نوعها في تاريخ الطاقة المتجددة.

حلقت سولار أمبلس 2 حول العالم من دون قطرة وقود واحدة

وفي أوستراليا، جرى تجديد أحد القطارات القديمة وتحويله ليعمل على الطاقة الشمسية. وتمتد رحلة “القطار الأحمر” في منتجع شمال نيو ساوث ويلز على مسار يصل طوله إلى ثلاثة كيلومترات. وتستغرق رحلته 10 دقائق فقط مستفيدة من ألواح الطاقة الشمسية المثبتة على سطح القطار وعلى سطح المحطة.

كما شيدت العديد من الطرق الشمسية التجريبية حول العالم التي تستفيد من المساحات المتاحة في توليد الطاقة الكهربائية. ومن بينها، طريق يبلغ طوله كيلومترا واحداً في منطقة النورماندي الفرنسية، ويحتوي 2880 لوحة كهرضوئية تكفي لتوليد طاقة تنير شوارع قرية يبلغ عدد سكانها 3400 شخص.

وفي الصين، دشنت مدينة جينان طريقا شمسية تمتد لمسافة كيلومتر واحد أيضاً. ويتكون مقطع الطريق من ثلاث طبقات: طبقة العزل في الأسفل، وطبقة الألواح الشمسية في الوسط، وطبقة من الخرسانة الشفافة في الأعلى. تغطي الألواح الشمسية ما يزيد عن 7 آلاف متر مربع من مسربي الطريق وممر الطوارئ، ويمكنها توليد مليون كيلوواط ساعي من الطاقة المتجددة سنوياً. وقد تعرض جزء صغير من الطريق للسرقة، فيما يبدو أنها سرقة تكنولوجية للتعرف على المواد المستخدمة وآلية التركيب.

لاتزال الطرق الشمسية موضع اختبار حول العالم

ويمكن للطرق الشمسية أن تتكامل مع تقنية جديدة يتم اختبارها وتطويرها حاليا في جامعة ستانفورد الأميركية. وتهدف هذه التقنية إلى تأمين نقل الكهرباء لاسلكيا إلى الأجسام المتحركة، وهذا من شأنه أن يحدث ثورة جديدة في عالم السيارات الكهربائية تحل مشكلة شحنها المحدود، وتتيح السفر بواسطتها لمسافات بعيدة. وتعتمد تقنية جامعة ستانفورد على تزويد الجزء السفلي من السيارة بلفافة نحاسية يجرى تحريضها عبر حقل كهرومغنطيسي تولده لفافات تتصل بالشبكة العامة ومزروعة في جسم الطريق.

الإكساءات الشمسية

إن استخدام أسطح الطرقات جاء لحل واحدة من الصعوبات التي تواجه استخدام الألواح الكهرضوئية التقليدية، وهي توفير المساحات الكافية لتركيب اللواقط. وفي هذا المجال، انتشرت تقنيات عديدة لاستغلال أي فراغ متاح، كاستخدام الألواح الشمسية العائمة فوق المسطحات المائية، ونماذج مظلات مواقف الباصات والأشجار الاصطناعية التي تعلوها الخلايا الكهرضوئية، وكذلك “الأرصفة الشمسية” في الساحات والممرات باعتماد الألواح الشمسية ذات الزجاج المقسى.

وتعمل شركة تسلا وغيرها من الشركات البارزة على تطوير خلايا كهرضوئية يمكن استخدامها في إكساء الأسطح النهائية للمباني بحيث لا يمكن تمييزها عن مواد البناء التقليدية. ومن نماذج الأسقف الشمسية التي تقوم تسلا بتسويقها حاليا، بلاطات كهرضوئية تماثل ألواح القرميد في مظهرها وأخرى تشبه بلاطات حجر الأردواز، وهي ترتبط بوحدة التخزين المتطورة المعروفة باسم Powerwall.

تشبه الأسقف الشمسية في مظهرها مواد البناء التقليدية

ومن التقنيات المستقبلية الواعدة، استخدام الألواح الشمسية الشفافة كزجاج نوافذ. وكانت شركة “سولار ويندوز” الأميركية طورت مصفوفة شمسية عضوية سائلة يمكن توظيفها في نوافذ ناطحات السحاب والمباني التجارية الكبيرة الأخرى، إلا أنها لم تثبت جدواها بعد. وفي المقابل، يعمل باحثون في جامعة ولاية ميشيغان الأميركية على ابتكار خلايا كهرضوئية شفّافة للغاية.

وتملك اللواقط الشفافة قواماً يشبه قوام البلاستيك إلا أنها مصنعة من جزيئات عضوية تستطيع امتصاص الضوء غير المرئي. وتبلغ نسبة كفاءتها حاليا 5 في المئة، أي نحو ثلث كفاءة اللواقط الكهرضوئية الرائجة، وهي قابلة للزيادة خاصةً أن هذه التقنية قيد التطوير منذ نحو خمس سنوات فقط.

وتبلغ مساحة الأسطح الزجاجية المستخدمة في الولايات المتحدة حالياً نحو سبعة بلايين متر مربع، وفي حال إكساء هذه المساحات باللواقط الشفافة سيتم توفير 40 في المئة من حاجة الأميركيين للطاقة.

تستخدم اللواقط الشمسية الشفافة كزجاج نوافذ

وفي المجال البحثي أيضاً، طور باحثون من معهد ملبورن الملكي للتقنية في أوستراليا طلاء يستغل طاقة الشمس في تفكيك رطوبة المحيط إلى أوكسجين وهيدروجين. ويعد الهيدروجين مصدرا للطاقة النظيفة التي تستخدم في خلايا الوقود أو لتسيير المركبات. ومن المتوقع أن يثبت الطلاء، عند طرحه في الأسواق، فعالية في جميع الأجواء بما فيها البيئات الحارة والجافة القريبة من المسطحات المائية الكبيرة، وأن يستخدم في طلاء كافة السطوح ما يتيح تحويلها إلى منظومة مولدة للطاقة.

وفي الوقت الراهن، تشهد تقنية الرقاقات الشمسية انتشاراً واسعاً. والرقاقات عبارة عن خلايا كهرضوئية مصنوعة من عدة طبقات تعمل بالتأثير الضوء الجهدي لتحويل الطاقة الشمسية إلى طاقة كهربائية. ويختلف سمك الطبقات بين عدة نانومترات إلى عشرات الميكرونات. وتوظف الرقاقات الشمسية في العديد من التطبيقات، خاصةً في الأسطحة غير المستوية مع الإفادة من مرونتها وقدرتها على الانحناء، ويمكن دمجها مع الأقمشة ليتم ارتداؤها بغرض توليد الكهرباء للأجهزة الإلكترونية الشخصية كالهواتف المحمولة.

الكفاءة الشمسية

يتم توليد الطاقة الكهربائية في الألواح الشمسية الحالية بالاعتماد على طيف الضوء المرئي، وهذا يترك مقداراً واسعاً من الطيف خارج الاستغلال. وتوجد دراسات لاستخدام مواد جديدة في أنصاف النواقل الشمسية، مثل الفناديوم والتيتانيوم، تتيح للألواح الشمسية في المستقبل التقاط قسم من الطيف تحت الأحمر وتحويله إلى طاقة كهربائية. ويساعد ذلك في تعزيز كفاءة الألواح الشمسية.

إن كفاءة تحويل الضوء إلى كهرباء في أفضل الألواح الشمسية المتاحة تجارياً تبلغ حالياً 22.5 في المئة، في حين تتراوح كفاءة الألواح الرائجة في الأسواق ما بين 15 و17 في المئة. أي أن الألواح الكفؤة تستطيع توليد 50 في المئة من الكهرباء الإضافية باستخدام المساحة ذاتها. ويتم حالياً تطوير نوع جديد من الخلايا الكهرضوئية التي تصل كفاءتها إلى 50 في المئة، ومن المتوقع أن تصبح هذه التقنية متوفرة في الأسواق في غضون أربع سنوات.

وتتيح أجهزة تعقب موقع الشمس زيادة مردود الألواح الكهرضوئية حيث تعمل على إمالة وتحريك زاوية الألواح مع مرور الوقت بما يتناسب مع ميل أشعة الشمس. وكانت هذه التقنية دخلت قطاع الإنتاج التجاري في سنة 2016، وعلى الرغم من حداثتها فإنها تشهد نمو متصاعداً يتجاوز معدله 250 في المئة. ومن المتوقع استخدام أجهزة تعقب الشمس في نصف مجموعات الألواح الشمسية في العالم بحلول سنة 2021.

ولا تقتصر الكفاءة الشمسية على توليد الكهرباء بل تشمل أيضاً تقنيات التخزين. إن تقنيات حفظ الطاقة الكهربائية لا تزال مكلفاً نسبياً، ويجرى الاعتماد حالياً على بطاريات الليثيوم أيون القابلة لإعادة الشحن من أجل تخزين الكهرباء لحين الحاجة. في حين تعمل مجموعة من كبرى الشركات التقنية، مثل تسلا وألفابيت، على تمويل أبحاث مشتركة لتطوير تقنيات خزن الطاقة لاسيما تخزينها في الملح المذاب.

ويوجد مشروع بحثي لإيجاد حل متكامل لكفاءة التوليد والتخزين من خلال الخلايا الشمسية البيولوجية. وتتضافر في هذا المشروع جهود 10 مؤسسات معرفية و45 شركة خاصة تسعى لاستكشاف فرص إنتاج الطاقة الخضراء من خلال تحسين كفاءة العملية التي تستحوذ بها النباتات والطحالب والبكتيريا على الطاقة من الشمس. وتعتبر “الألواح الشمسية الحية”، التي تستغل العملية الطبيعية المعروفة بالتمثيل الضوئي، من التقنيات الواعدة في توفير طاقة صديقة للبيئة بكلف منخفضة.

 

مجلة البيئة والتنمية 

أيلول (سبتمبر) 2018 / عدد 246

اترك تعليقاً

الرجاء إدخال تعليقك!
الرجاء إدخال الاسم هنا