تعاني العاصمة التونسية وعدد من ضواحيها انتشارا كبيرا وغير معهود لأكوام القمامة حتى في شوارع الأحياء الراقية. تفاقمت هذه الظاهرة جراء الإضرابات المتتالية لعمال النظافة بعد مطالبتهم بتسوية أوضاعهم القانونية والمادية.

مشاهد مقرفة تعترض المارة في كل مكان، و روائح تزكم الأنوف تعكس تكدس القمامة والفضلات حتى أمام المحلات والمنازل.

وقطط تدب بين هذه الأكوام من القمامة التي يضطر المواطنون أحيانا لحرقها قصد التخلص منها. والنتيجة تلوث بيئي و مشهد يثير الاشمئزاز و النفور.

وضع، اعتقد التونسيون أنه مؤقت ورهين باستجابة السلطات المختصة لمطالب عمال النظافة، ولكن المطالب رفعت وقبلت وتم الاستجابة لها دون جدوى.

أزمة تجاوزت المحظور
تقول الشابة مريم اللواتي بوعصيدة إن الأمر بات مخجلا للغاية، خاصة إذا ما تعلق الأمر بتعليقات السياح عن الحالة المزرية التي آلت إليها تونس بعد الثورة والتي كانت بالفعل نموذجا للنظافة.

تؤكد مريم أن الأمر لم يعد مجرد شكليات، بل أن الخطر بات محدقا بالسلامة الصحية للتونسي، فبالإضافة إلى الروائح الكريهة التي تنبعث منها، فقد أصبح التونسي اليوم مهددا بالأوبئة التي من شأنها أن تودي بحياته، خاصة أن استنشاق الدخان المنبعث من المزابل المتكون من مواد سامة وخطيرة من شأنها أن تتسبب في مرض السرطان.

تشير مريم إلى أن تفاقم الأزمة يعود لعمال النظافة دون غيرهم، حيث تمت تسوية مطالبهم و قد ساندهم المواطنون في ذلك والذين اضطروا إلى استئجار شاحنة خاصة لتنظيف الأحياء التي يقطنون فيها في حين أن كل مواطن تونسي يدفع أجور لقاء هذه الخدمات (الزبلة و الخروبة).

توجه مريم رسالة إلى السلطات المختصة والمباشرة قصد التدخل الفوري لإنقاذ صورة البلاد وسلامة مواطنيها وتتساءل عن غياب عمال النظافة وتخلفهم الغريب عن العمل وعن أسباب تجاهلهم لهذا الأمر الذي بات مثيرا للريبة.

قد يتفق التونسيون على خطورة الظاهرة ومخاطرها التي تمس جميع القطاعات دون استثناء، ولكن عدم الوفاق حام حول الأطراف المسؤولة بشكل كبير ومباشر في هذا الأمر.

حيث يقول مالك هلالي، شاب يقطن بولاية أريانة، أنه يستغرب أمر من يحمل عمال النظافة دون غيرهم مسؤولية تفاقم الظاهرة وكأنهم “لم يشاهدوا سكان حيهم وهم يرمون الفضلات على بعد متر خوفا من اتساخ ملابسهم لتتبعثر القمامة في الشوارع”، وكأنهم ” لم يشاهدوا من يضع قمامته أمام بيته لتأتي القطط قصد نبشها فتبعثرها أرضا. يتساءل مالك عن ما إذا كان بوسعهم نكران أن عملية حرق الفضلات هم من يقومون بها.

أزمة متعددة الخلفيات
يقول خبير علم الاجتماع الدكتور طارق بلحاج محمد إن المسألة البيئية ومسألة النظافة كانت تعد جزءا من صورة تونس الحديثة في الداخل والخارج قبل أن تتغير المعايير و تتداخل الخلفيات بعد الثورة، حيث يشير إلى أن الظاهرة تأثرت بسياقات ثلاثة كانت السبب في تفشيها بشكل أو بآخر.

يقول الدكتور طارق أن السياق التاريخي يمكن أن يفسر الأمر والذي يتعلق بالمظالم التي عانى منها عمال النظافة و التي جعلتهم يثورون على أوضاعهم بعد الثورة في إطار الانفلات الاجتماعي العام الذي شهدته البلاد بعد الثورة، كما أن الإحساس بعدم الرضا على المكاسب التي طبعت مزاج التونسي بعد الثورة اجتاحت عمال البلديات بدورهم، حسب رأي خبير علم الاجتماع، حيث يرى أن الإجراءات التي اتخذت لتحسين أوضاعهم على أهميتها مقارنة بأوضاعهم السابقة لم تعد ترضيهم وأصبحوا في كل مرة يطالبون بالمزيد، وحين لا تستطيع السلطة الاستجابة لمطالبهم تجدهم يلجأون إلى أقصى الإشكال النضالية وهي الإضراب بشكل أصبح يهدد الأمن الصحي للتونسيين.

و يضيف أن ما تم اكتشافه بالمقابل هو ما يعانيه التونسي من ضعف بإحساس المواطنة في معيشته اليومية بشكل جعله يعمق هذه الأزمة البيئية.

ويؤكد الدكتور بلحاج أن الأزمة تنذر بكارثة صحية و توحي بإمكانية عودة بعض الأوبئة والأمراض التي تخلصت منها تونس منذ عقود ويلقي المسؤولية على عاتق الحكومتين السابقتين حيث أن موجة التسميات على رأس النيابات الخصوصية للبلديات على قاعدة الولاء لأشخاص يجهلون الحد الأدنى من كفاءة التسيير، مما جعلهم يتصادمون مع هذه االشريحة المهنية المهمة التي تمسك بقطاع حيوي في المجتمع ويعجزون عن إدارة ملفاتها.

“تونس تنظف”
“تونس تنظف” هي بادرة شبابية عفوية نبعت من قلب شابة ذات العشرين عاما حذامي البرجي والتي أرادت أن تكون على شاكلة تظاهرة “تونس تقرأ”، قصد توعية الشباب التونسي بدورهم الهام في حماية البيئة. تقول حذامي إنها طالبة سنة ثانية انجليزية وهي كمواطنة ملّت كغيرها من التونسيين من رؤية أكوام القمامة في كل أرجاء البلاد، ومن باب مسؤوليتها كمواطنة تغار على بلدها قررت قيادة حملة تثقيفية لتنظيف شوارع تونس.

تقول صاحبة المبادرة إن الهدف هذه المرة ليس حشد العشرات من الشباب لتنظيف شوارع العاصمة، و لكن المئات و الآلاف منهم في كل ولايات الجمهورية عبر مواقع الشبكات الاجتماعية ومن بادرة شبابية عفوية و التي تسعى الآن إلى بعث جمعية شبابية تنمي هذه الفكرة.

اتهامات متبادلة
يؤكد السيد رفيق خنفير، رئيس لجنة النظافة ببلدية أريانة لـDW عربية أن الإشكال يعود إلى فترة ما بعد الثورة، حيث قامت مجموعة من الأشخاص بحرق مخزن المعدات الخاصة بتنظيف الطرقات و تهيئتها وتم إتلافها جميعها. ويشير إلى أن البلدية عوض أن تهتم بتحسين الخدمات و شراء المزيد من المعدات، انشغلت بإعادة شراءها و تعويض هذا النقص الفادح، وهذا ما تسبب في انتشار الفضلات بالإضافة إلى تعطل بعض الشاحنات أحيانا.

يقول السيد خنفير إن “مسألة النظافة عملية مركبة تتدخل فيها العديد من الأطراف و العديد من الأحداث التي قد تطرأ لتتغير بموجبها سياسة البلدية”، حيث أن البلدية كانت تقوم بأعمال النظافة لدائرة المنازه بالتعاون مع مؤسسة خاصة للمقاولة، إلا أن الصفقة تم فسخها مؤخرا مما أدى إلى ضرورة تغطية بلدية أريانة لأعمال النظافة بالدائرتين.

وردا على اتهامات المواطنين بتقصير البلديات في أعمال النظافة، يقول السيد رفيق خنفير إن البلدية تخصص وقتين في اليوم لجمع الفضلات بكامل الدوائر، وقد حرصت عبر حملات التوعية والتحسيس إلى لفت نظر المواطنين إلى ضرورة احترام توقيت مرور شاحنات البلدية.

مبادرات عديدة شوهدت بعد الثورة بهدف التوعية بخطر الأزمة، لكن ما يلاحظ أن كل المبادرات كانت عفوية من شباب غالبا لا ينتمي إلى جمعيات أو حركات سياسية، بل يقوده حسه الوطني لإزالة الفضلات من الشوارع من أجل تونس الخضراء.

DW.DE

اترك تعليقاً

الرجاء إدخال تعليقك!
الرجاء إدخال الاسم هنا